جمال الكناني يكتب :من «بلدنا» إلى جمارك استباقية خطوة نحو تيسير التجارة وحماية الإيرادات

مع انطلاق مسيرة التحول الرقمي، كانت قوات الجمارك السودانية من أوائل المؤسسات التي انضمت إلى منصة «بلدنا». تلك الخطوة عكست إدراكاً مبكراً بأن زمن الإجراءات الورقية في تراجع، وأن مؤسسات الدولة مطالبة بمواكبة واقع أصبحت فيه التكنولوجيا ركيزة أساسية في تقديم الخدمة وإدارة العمل.
إلا أن الجمارك لم تتوقف عند هذا الحد. فقد عادت لتطوير موقعها الإلكتروني وضبط أدواتها الرقمية بما يتوافق مع طبيعة عملها الخاصة. فالجمارك ليست مجرد جهة خدمات إلكترونية، وإنما مؤسسة تقف في نقطة مفصلية بين حركة التجارة من جهة، وحماية الاقتصاد والإيرادات وأمن المجتمع من جهة أخرى.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ليس *هل أصبحت الخدمة إلكترونية؟* بل *هل أصبح العمل الجمركي نفسه أكثر ذكاءً؟*
*أولاً: الإقرار المسبق.. نقلة من الانتظار إلى الاستباق*
تتمثل الإجابة في تطبيق نظام *الإقرار المسبق عن البضائع `ACD`*.
هذا النظام لا يعني مجرد إضافة إجراء جديد قبل وصول الشحنة، وإنما يشكل تحولاً في فلسفة العمل الجمركي.
الفرق الجوهري بين جمارك تنتظر وصول البضاعة لتبدأ بجمع المعلومات، وبين جمارك تصلها المعلومات مسبقاً فتحللها وتحدد مواضع الخطر وتتخذ القرار.
باختصار: *الجمارك الحديثة هي التي تصلها المعلومة أولاً.. ثم يأتي القرار.*
*ثانياً: الأساس ليس الإدخال.. بل التحقق*
النقطة المحورية هنا أن نجاح النظام لا يقوم على افتراض صحة البيانات التي يقدمها التاجر فقط.
الأصل هو *قدرة النظام نفسه على التحقق من صحة البيانات* من خلال ربطه بآليات تمكنه من التأكد من سلامة المستندات الصادرة من دول المنشأ، وبالتالي التأكد من دقة البيانات التي تحتويها.
هنا يكمن الفرق بين نظام قائم على *التحقق*، ونظام قائم على مجرد *الإدخال*.
*ثالثاً: المعايير الدولية والتوازن المطلوب*
تقوم الاتفاقيات والمعايير الدولية على مبدأين متلازمين: *تبسيط وتنسيق الإجراءات*، و*إزالة القيود على التجارة*.
والتبسيط لا يعني التخلي عن الرقابة، بل يعني إجراءات سريعة ومبسطة وفي الوقت نفسه دقيقة ومحكمة تحقق التوازن بين تسهيل التجارة وإحكام الرقابة.
وهذا التوازن لا يتحقق إلا عبر *المعلومات المسبقة* عن البضائع والمسافرين، لأنها تمنح الجمارك الوقت اللازم لتحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر.
عندها يمكن الإفراج عن البضائع منخفضة المخاطر، واستهداف البضائع عالية المخاطر، وتطبيق أدوات مثل *التخليص المسبق* و*الكشف بالأشعة السينية* وصولاً إلى مفهوم *”من الباب إلى الباب”*.
*رابعاً: درس إقليمي.. التجربة المصرية في نظام `ACI`*
تقدم مصر مثالاً عملياً قريباً. طبقت منذ 2021 نظام الإقرار المسبق الإلزامي `ACI` عبر منصة “نافذة”.
– *الآلية*: تسجيل بيانات الشحنة كاملة قبل الشحن من بلد المنشأ والحصول على رقم تعريفي `ACID`، وبدونه لا تتحرك البضاعة.
– *النتائج*: القضاء على البضائع المجهولة، وتقليص زمن الإفراج الجمركي من أيام إلى ساعات في بعض الموانئ.
رغم التحديات الأولية المتمثلة في التعامل الرقمي وتكلفة الامتثال، أثبتت التجربة أن ربط الإقرار المسبق بآلية تحقق إلزامية يحدث نقلة نوعية في ضبط التجارة وتسريعها.
*خامساً: لماذا نتحول إلى النظام الاستباقي؟*
1. *خفض الزمن والتكلفة*: النظام التقليدي القائم على تفتيش جميع الرسائل يستهلك وقتاً وتكاليف عالية.
2. *القدرة على الاستيعاب*: مع تزايد حجم التجارة ومحدودية الموارد، لا يمكن تحقيق التسهيل والإحكام معاً إلا بنظام معلوماتي.
3. *دقة الاستهداف*: أثبتت التجارب العالمية أن النظام القائم على المعلومات أكثر فعالية في كشف المخاطر الحقيقية بدل التفتيش العشوائي.
*سادساً: نحو الجمارك الذكية*
التحول الحقي لا يتحقق بالمنصات وحدها، بل بتغيير ثقافة العمل من “ننتظر المعاملة” إلى “نستعد لها مسبقاً”.
المطلوب أن تصبح التكنولوجيا جزءاً من القرار: تدخل البيانات قبل الشحنة، تُحلل قبل الوصول، وتُستخدم لتحديد مستوى المخاطر، لتنعكس النتيجة على سرعة الإفراج أو التدقيق.
وعودة الجمارك إلى موقعها الإلكتروني وتطوير أدواتها، بعد تجربة منصة «بلدنا»، يجب أن تُقرأ كفرصة لإعادة ترتيب منظومة الخدمات الجمركية بما يخدم أولويات المرحلة: حماية الموارد وتحريك الاقتصاد، رقابة قوية ولكن ذكية، وإجراءات واضحة تنجز في وقتها.
*خاتمة: كيف نقيس النجاح؟*
لن يُقاس نجاح الإقرار المسبق بعدد الشحنات المسجلة، وإنما بالأثر:
هل انخفض زمن التخليص؟
هل قلت كلفة الانتظار؟
هل أصبح التقييم أدق؟
هل تحسنت قدرة الجمارك على كشف المخاطر؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تحول حقي.
*فالجمارك الحديثة لا تنتظر البضاعة لتبدأ التفكير فيها.. المعلومة تصل أولاً ثم يأتي القرار.*
وهذه هي الخطوة التي يمكن أن تجعل من الإقرار المسبق بداية حقيقية لجمارك سودانية أسرع وأدق وأقدر على حماية الاقتصاد دون أن تقف في طريق التجارة.





