
تعاقب على رئاسة الولايات المتحدة رجال اختلفوا في طباعهم وبرامجهم، لكن معظمهم تحركوا داخل إطار عام مستمر: اقتصاد رأسمالي، ومؤسسات دستورية تحدّ من سلطة الفرد، وتحالفات دولية ممتدة، ودور قيادي أمريكي في النظام العالمي.
أما دونالد ترامب، فلا يختلف عن سابقيه في الشخصية والأسلوب وحدهما، بل في محاولته إعادة تعريف وظيفة الرئاسة وعلاقة أمريكا بالعالم. فهو يميل إلى نقل مركز الثقل من المؤسسات إلى الرئيس، ومن التحالفات المستقرة إلى الصفقات، ومن التجارة الحرة إلى الرسوم الحمائية، ومن الدبلوماسية التقليدية إلى الضغط والمفاجأة والتفاوض المباشر.
وبصرف النظر عن طابعه الاستعراضي، وما يبدو أحيانًا في أقواله وأفعاله من تهكم ومبالغة وخروج على الأسلوب الرئاسي المألوف، فإن الحكم على تجربته لا ينبغي أن يتوقف عند مظهرها، بل عند ما أحدثته أو رسخته من تحولات في بنية السياسة الأمريكية.
لقد رأى رؤساء سابقون، من ترومان وأيزنهاور إلى بوش الأب وكلينتون وأوباما وبايدن، أن قوة أمريكا تتعزز بقيادتها للتحالفات والمؤسسات الدولية، مع اختلافهم في مقدار استخدام القوة وفي كيفية توزيع أعباء تلك القيادة. أما ترامب فينظر إلى العلاقات الدولية بدرجة أكبر من زاوية العائد المباشر: فالحليف مطالب بتحمل نصيب أكبر من كلفة حمايته، والتجارة أداة ضغط، والمنظمة الدولية لا تستحق الالتزام، في نظره، إن لم تحقق مصلحة أمريكية واضحة.
داخليًا، سعى ترامب إلى توسيع نطاق السلطة التنفيذية، واعتمد بكثافة على الأوامر والقرارات الرئاسية لإعادة تشكيل الجهاز الحكومي وتقليص نفوذ بعض مراكزه البيروقراطية المستقلة نسبيًا، مع بقاء حدود هذه السلطة موضع نزاع دستوري وقضائي.
وفي الاقتصاد جمع بين خفض الضرائب وتخفيف القيود من جهة، والرسوم الجمركية والتدخل في التجارة من جهة أخرى؛ ولذلك فهو لا يمثل استمرارًا كاملًا للنهج الجمهوري التقليدي، بل يقدم قومية اقتصادية أكثر حمائية وتدخلًا في العلاقات التجارية.
وفي الهجرة نقل القضية من ملف اقتصادي واجتماعي إلى مسألة سيادة وأمن وهوية وطنية. صحيح أن رؤساء قبله شددوا الحدود ورحّلوا مهاجرين، لكنه جعل الهجرة محورًا مركزيًا في خطابه السياسي، وفي تعريفه للدولة وتعبئة الناخبين.
أما خارجيًا، فلا يمكن وصفه بالانعزالي الكامل ولا بالتدخلي التقليدي. فهو يتحفظ على الحروب الطويلة ومشروعات بناء الدول، لكنه يستخدم القوة والعقوبات والرسوم والتهديد لتحقيق نتائج سريعة، ويفضل العلاقات المباشرة بين القادة على الدبلوماسية المؤسسية، ويتعامل مع الصين وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط بمنطق موازين القوة والمكاسب المحددة.
وقد أسهم ضغطه في دفع حلفاء أمريكا إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي، لكنه لم يكن العامل الوحيد؛ إذ بدأ الاتجاه إلى رفع الإنفاق داخل حلف شمال الأطلسي قبل عهده، ثم تسارع بفعل تصاعد التهديد الروسي والحرب في أوكرانيا والضغوط الأمريكية المتعاقبة. ويتمثل اختلاف ترامب في أنه مارس هذا الضغط أحيانًا مع التشكيك في مدى التزام الولايات المتحدة بحماية الحلفاء الذين لا يتحملون نصيبًا كافيًا من الأعباء.
وقد يمنحه هذا النهج قوة تفاوضية عاجلة، لكنه يثير الشك في موثوقية الالتزامات الأمريكية على المدى البعيد.
فهل يمثل ترامب قطيعة استراتيجية أم مجرد اختلاف في الدرجة؟
الحقيقة أنه يجمع بين الاستمرار والتغيير. فهو لم يخترع القومية الاقتصادية أو الحمائية أو توسيع سلطة الرئيس أو الضغط على الحلفاء؛ بل إن إدارة بايدن أبقت معظم الرسوم التي فُرضت على الصين في عهد ترامب، ثم رفعت بعضها في قطاعات استراتيجية، واتّبعت سياسة صناعية أكثر تدخلًا في المنافسة مع بكين.
لكن ترامب نقل هذه الاتجاهات من الهامش إلى قلب السياسة الأمريكية، وحوّلها من أدوات تُستخدم في ظروف محددة إلى منهج معلن للحكم.
وأهم أثر له قد لا يكون قرارًا محددًا، بل تغييره حدود الممكن والمقبول في السياسة الأمريكية. فقد أعاد الرسوم الواسعة إلى قلب النقاش، وجعل التشكيك في الحلفاء جزءًا من الخطاب الرئاسي، وربط السياسة الخارجية بصورة أوضح بالربح والخسارة المباشرين، وأعاد تشكيل الحزب الجمهوري وخطابه، ورفع لدى قطاع من الناخبين سقف التوقعات تجاه رئيس أكثر صدامًا ومباشرة وميلًا إلى القرارات الحاسمة.
وقد يسهم هذا النهج في إعادة بعض الصناعات إلى الداخل، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر، وإجبار الخصوم على مراجعة حساباتهم. لكنه قد يرفع كلفة التجارة، ويضعف الثقة بالتحالفات، ويعمق الانقسام الداخلي، ويجعل السياسة الأمريكية أكثر تقلبًا وارتباطًا بشخص الرئيس.
ويتضح جانب من هذا المنهج كذلك في تعامله مع السودان بوصفه دولة ذات موقع استراتيجي وموارد ومصالح متصلة بالأمن الإقليمي والدولي.
فقد نظرت إدارات أمريكية سابقة إلى السودان من خلال ملفات متداخلة شملت الإرهاب والعقوبات ودارفور وحقوق الإنسان والتحول السياسي. ثم ركزت إدارة بايدن بدرجة كبيرة على الانتقال إلى الحكم المدني، وحقوق الإنسان، والمساءلة، ووقف الحرب والأزمة الإنسانية، وفق رؤيتها لهذه القضايا وطريقة ترتيبها وربطها بالمصالح الأمريكية.
أما ترامب فمال في ولايته الأولى إلى توظيف السياسة تجاه السودان ضمن مقاربة تجمع بين التسويات السياسية والمصالح الأمنية والانفتاح الإقليمي؛ فقد أصبح رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب نافذًا رسميًا في 14 ديسمبر 2020، عقب تسوية مطالبات مرتبطة بهجمات إرهابية، بصرف النظر هنا عن تفاصيل التسوية وملابساتها، وفي سياق انفتاح سياسي إقليمي تزامن مع مسار التطبيع بين السودان وإسرائيل.
وفي ولايته الثانية واصلت إدارته استخدام العقوبات والإجراءات الموجهة ضد قادة وشبكات مرتبطة بالحرب وتمويلها، وفق تقدير المؤسسات الأمريكية لمسؤولية تلك الجهات، كما دعت إلى هدنة إنسانية، ووقف دائم لإطلاق النار، وإنهاء الحرب، ووقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للمتحاربين.
ولا يعني ذلك بالضرورة استعداد الإدارة لتحمل كل الكلفة السياسية والاقتصادية اللازمة لفرض تسوية شاملة أو الانخراط طويلًا في إعادة بناء الدولة السودانية. فقد يتركز اهتمامها العملي على منع الانهيار الكامل، والحد من التهديدات الإقليمية، وحماية المصالح الأمريكية، أكثر من انخراطها في مشروع طويل لإعادة بناء الدولة.
ومع ذلك، لا يصح القول إن هوية نظام الحكم في السودان لا تعني هذه الإدارة مطلقًا؛ فالموقف الأمريكي المعلن لا يزال يؤكد أن مستقبل الحكم ينبغي أن يقرره السودانيون من خلال عملية انتقال شاملة وشفافة لا تسيطر عليها الأطراف المتحاربة، وذلك وفق التصريحات الرسمية المعلنة، بصرف النظر عما قد يحيط بها من ملابسات غير ظاهرة أو عما تنتهي إليه عمليًا عند التطبيق.
وعليه، يبدو أن السودان في مقاربة ترامب ليس مشروعًا أمريكيًا تفصيليًا لبناء نظام حكم من الخارج، بقدر ما هو ملف أمني واستراتيجي وإنساني يرتبط بأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة، وتقليص نفوذ الخصوم، ووقف الحرب، وتحقيق قدر من الاستقرار الإقليمي.
وقد يتيح هذا للسودان مساحة للتعامل البراغماتي مع واشنطن وغيرها من القوى، لكنه لن ينال اهتمامًا مؤثرًا لمجرد معاناته أو أهمية موارده الكامنة، بل بقدر ما يستطيع، عبر إصلاح بيئته الداخلية بحزمة متكاملة وجمع شمل أهله حول الأهداف الوطنية الجامعة، تحويل موقعه وموارده واستقراره إلى قيمة استراتيجية واقتصادية عملية. وبذلك يحمل الآخرين على التعامل معه من موقع المصالح المتبادلة والاحترام، بدل أن يظل غرضًا لمشروعاتهم أو ملعبًا لصراعاتهم.
لذلك لا يكون الحكم على ترامب بالسؤال: هل هو أقوى من سابقيه أم أضعف؟ بل بالسؤال: هل يعيد بناء القوة الأمريكية على أسس أكثر واقعية، أم يستهلك الرصيد المؤسسي والتحالفي الذي راكمته أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية؟
ترامب ليس غريبًا كاملًا عن التاريخ الأمريكي، لكنه أوضح تعبير عن انتقال محتمل من قيادة عالمية تقوم على التحالفات والقواعد، إلى قوة قومية أكثر صراحة في طلب المقابل، واستخدام الاقتصاد والضغط الرئاسي المباشر.
فإن استمرت هذه الاتجاهات بعده، يكون قد أسس تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا. وإن انحسرت بانتهاء حضوره، فسيظل رئيسًا استثنائيًا هزّ النظام من غير أن يغيره بصورة دائمة. غير أن رسوخ «الترامبية» داخل الحزب الجمهوري وقطاعات واسعة من المجتمع يشير إلى أن أثره تجاوز شخصه، وأن أمريكا بعد ترامب لن تعود بسهولة إلى ما كانت عليه قبله.





