هدى الرشيد : ثلاث سنوات بين الألم والأمل

عدّت ثلاث سنوات…
ثلاث سنوات بالنسبة لي.
النصف الأول منها كان صعبًا جدًا،
أما النصف الثاني فكان بداية صفحة جديدة لتحقيق أهداف وتطلعات مختلفة.
كانت بداية الحرب قاسية علينا جميعًا؛ على المواطنين، وعلى المؤسسات، وعلى الدولة. في البداية، لم يصدق أحد أنها حرب حقيقية، وظنّ الجميع أنها لن تستمر سوى أيام قليلة. حتى خطابات الجيش في بدايتها كانت تتحدث عن اقتراب النهاية، ولكن هيهات…
ما بين التصديق وقرار النزوح كانت هناك آهات وأوجاع وحسرات.
هناك من بدأت الحرب وهو في عمله، فاحتُجز داخل المؤسسات أو الجامعات أو الأسواق.
وهناك من كان مع أسرته، لكن الأسرة نفسها كانت مشتتة.
أنا شخصيًا رأيت ابنتي بعد شهر من بداية الحرب.
وعندما تجتمع الأسرة، يبدأ السؤال الأصعب: هل نغادر أم نبقى؟
تجد داخل الأسرة الواحدة آراءً مختلفة؛ من يرى ضرورة الخروج فورًا، ومن يصرّ على البقاء. تمر الأيام وكأنها سنوات، يومًا بعد يوم، حتى يصل الجميع إلى القرار المصيري.
بعض الأسر ترضخ للواقع وتقرر الخروج، رغم الألم. وتكون لحظات المغادرة كأنها خروج الروح من الجسد، وكأن القلب يتوقف عن النبض… لحظات لا يمكن وصفها.
وهناك أسر انقسمت؛ بعض أفرادها غادروا، والبعض الآخر أصرّ على البقاء، وغالبًا ما يكون الأب.
ولماذا؟ لأنه ببساطة هذا بيته… تعب سنوات طويلة، بناه بيده، وحمل فيه ذكرياته وقصص حياته، سواء في الغربة أو في الوطن.
لكن، للأسف، يأتي اليوم الذي يضطر فيه للمغادرة، بعد أن يرى ما لا يُحمد عقباه.
أما الذين بقوا، فقد رأينا قصصهم بعد التحرير…
قصص مليئة بالفقد، والتعذيب، والموت، والانتهاكات… أشياء مؤلمة جدًا.
قبل تحرير الخرطوم، كنا كل يوم نتابع الأخبار بلهفة، ونتساءل:
لماذا لا يتحرك الجيش؟ لماذا يبدو كأنه متأخر؟
كنا نعاتب ونشكك أحيانًا، لكن كان واضحًا أنه يعمل بصبر شديد، كمن يحفر بإبرة.
مرت الأيام ثقيلة وصعبة…
أخبار مؤلمة، توتر، خوف، عدم استقرار، نزوح، لجوء…
أسر تفرقت، وأصدقاء لم يلتقوا لسنوات.
وفي خضم كل ذلك، يجلس الإنسان مع نفسه أحيانًا، يتأمل، يستغفر، ويحمد الله على نعم كثيرة لم يكن يراها.
وعندما نتأمل بعمق، نجد أن في كل ما حدث خيرًا، وأن القادم يحمل الخير أيضًا، إذا توكلنا على الله وآمنا بقضائه وقدره.
الإيمان، والتوكل، والدعاء…
الدعاء… ثم الدعاء.
الدروس المستفادة كثيرة:
الحياة متقلبة، ولا شيء يدوم على حال.
يجب أن نتذكر دائمًا أن دوام الحال من المحال، وأن نرضى بقضاء الله وقدره.
هي ابتلاءات، تحتاج إلى صبر واجتهاد، حتى نتجاوزها وننجح بإذن الله.
ومع مرور الأيام، بدأت الأخبار تبشر بالأمل…
وأصبح لدينا يقين بأن السودان سيكون أفضل مما كان، بإذن الله.
سيأتي يوم يتحرر فيه الوطن كاملًا،
وتتفكك القيود، ويُعاد البناء والإعمار.
سيأتي يوم نلتقي فيه من جديد،
وتجتمع الأسر كما كانت.
نترحم على كل من فقدناهم،
ونسأل الله أن يتقبل الشهداء، ويرحم الموتى،
ويفك أسر المأسورين، ويشفي المرضى.
اللهم إنك ولي ذلك والقادر عليه.





