
الوقف في جوهره مؤسسة إسلامية دائمة، تقوم على حفظ الأصل وتسبيل منفعته في مقصد مشروع مستمر، ولذلك لا يرتبط بحرب أو سلم، بل يخدم الإنسان ويبني العمران عبر الأجيال. وقد كان عبر التاريخ رافعة للتعليم والصحة والمياه ورعاية المحتاجين، ومؤسسة مجتمعية تساند الدولة من غير أن تذوب فيها.
وتشتد الحاجة إليه في أزمنة الحروب؛ لأنها لا تدمر المباني وحدها، بل تخلّف أيتامًا وأرامل ونازحين ومرضى، وتعطل التعليم والإنتاج وسبل العيش. والإغاثة العاجلة، مع ضرورتها، لا تكفي؛ فالطعام ينقذ يومًا، أما الوقف المنتج فيعيد للناس القدرة على التعلم والعمل والحياة، ويصل بين الرحمة العاجلة والتمكين المستدام.
ولا يعني ذلك أن يحل الوقف محل الدولة أو يعفيها من مسؤولياتها، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة نفوذ سياسي أو فئوي، بل يجب أن يظل مؤسسة مستقلة، محكومة بالقانون، تصل خدماتها إلى مستحقيها بعدل وشفافية ومن غير تمييز.
ومن ثم يحتاج السودان إلى وقف حديث لا يقتصر على بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى، بل يضمن استمرار التشغيل والصيانة والخدمة، ويمول، في إطار رعاية المحتاجين وخدمة الفئات الأولى بالعون، التعليم والصحة والمياه والطاقة والزراعة والسكن الانتقالي، إلى جانب تدريب الشباب وتمكين النساء والأيتام والنازحين من موارد دخل دائمة.
ولا ينبغي أن يظل الوقف وقف إعالة فقط، بل يجب أن يكون وقف تمكين وإنتاج كذلك. ففي الريف يمكنه تمويل الآبار والطاقة الشمسية والمخازن والمطاحن والتقاوى والأدوات الزراعية والعيادات البيطرية ومراكز الألبان والتدريب المهني، وفي المدن يمكنه دعم السكن المؤقت، وترميم المدارس، وتشغيل المراكز الصحية، والمنح التعليمية، والمشروعات الصغيرة. فإطعام المحتاج يعالج حاجته الآنية، أما تمكينه من مورد دخل فيعيد إليه قدرته وكرامته ويقلل اعتماده على الإعانات.
كما لا يلزم أن يكون الوقف عقارًا، بل قد يكون سهمًا، أو حصة في مشروع، أو مزرعة، أو محطة طاقة، أو صندوقًا صحيًا، أو منصة تعليمية، أو وقفًا نقديًا، بشرط حفظ الأصل، وتوجيه العائد إلى مقصده، والالتزام بالضوابط الشرعية والمهنية، وحساب المخاطر، ووضوح الإدارة والرقابة. وينبغي كذلك أن تكون لكل وقف سياسة استثمارية واضحة تحقق التوازن بين حفظ الأصل وتنمية العائد، مع تجنب المغامرة بأموال الوقف أو تجميدها في أصول ضعيفة المردود.
غير أن حسن النية وحده لا يكفي؛ فالمال الموقوف أمانة لا تُصان إلا بإدارة كفؤة، وعقود موثقة، وحسابات منشورة، ومراجعة مستقلة، ونتائج قابلة للقياس. فالأمانة بلا كفاءة قد تضيع المال بحسن قصد، والكفاءة بلا أمانة قد تحوله إلى باب للمصلحة، ولا ينهض الوقف إلا باجتماعهما.
ولذلك ينبغي إنشاء منظومة وقفية وطنية حديثة لا تصادر المبادرات الخاصة ولا تخضع الوقف للبيروقراطية، بل تنظمه وتحميه من خلال سجل ومنصة رقميين، وبيانات واضحة عن الأصول والإيرادات والمصارف والمستفيدين، وحوكمة لمجالس الإدارة، وخرائط دقيقة للاحتياجات، وتقارير دورية تتيح للواقف في الداخل والمهجر معرفة أين يذهب ماله وما الأثر الذي حققه.
ولا يبدأ الإصلاح من الأوقاف الجديدة وحدها، بل من الأوقاف السابقة أيضًا؛ إذ يجب حصرها حصرًا شاملًا، وتوثيق أصولها وحدودها ووثائقها ومصارفها، وتسوية أوضاعها القانونية، وحمايتها من التعدي والضياع وسوء الاستغلال، ثم تنظيم إدارتها وتحديثها ورقمنتها ومراجعة عوائدها. فكثير من الأوقاف قد يملك أصولًا واسعة، لكن ضعف الإدارة أو غموض الملكية أو انخفاض كفاءة الاستثمار يجعل مواردها دون طاقتها الحقيقية. ومن ثم فإن تعظيم مواردها لا يكون ببيع أصولها أو التفريط فيها، بل بتحسين استثمارها وصيانتها وتطويرها وإدارتها على أسس مهنية، بما يحفظ شروط الواقفين ويزيد النفع للمستحقين.
ويجب أن يتم تحديث الأوقاف وتنمية أصولها وتعظيم عوائدها مع الالتزام بشروط الواقفين ومقاصدهم المشروعة، فلا تكون دعوة التطوير ذريعة لتغيير المصارف أو التصرف في الأصول بغير حق، وإنما وسيلة لحفظ الوقف وتحقيق غايته على الوجه الأكمل.
ومن المفيد كذلك تخصيص جزء مدروس من عوائد بعض الأوقاف لتكوين احتياطي للصيانة والطوارئ، حتى لا تتعطل خدماتها عند الأزمات أو تتآكل أصولها بسبب غياب التمويل اللازم للإصلاح والتجديد. فالاستدامة لا تتحقق بصرف العائد كله، وإنما بالموازنة بين خدمة الحاضر وحماية الأصل للمستقبل.
فالوقف ليس مجرد باب من أبواب الإحسان الفردي، بل مؤسسة شرعية وحضارية واقتصادية وقانونية، تحتاج إلى العالم الشرعي، والمدير، والمحاسب، والقانوني، والمهندس، وخبير الاستثمار وقياس الأثر، كما تحتاج إلى ترتيب الأولويات وفق بيانات واقعية؛ فقد تكون حاجة منطقة إلى الماء، وأخرى إلى الدواء، وثالثة إلى التعليم أو أدوات الإنتاج.
لكن الوقف لا يعمل بمعزل عن البيئة العامة؛ فإذا كانت القوانين غامضة، والتسجيل مضطربًا، والرسوم متعددة، والبيانات غائبة، والقضاء بطيئًا، تعثرت الأوقاف القديمة والجديدة. ولذلك يرتبط إصلاح الوقف بإصلاح البيئة المؤسسية المحيطة به، من خلال الحوكمة العامة، والرقمنة المتكاملة، ووضوح القوانين والرسوم، وحماية العقود والحقوق، وتحديث أجهزة العدالة.
وإذا صلحت هذه البيئة أمكن إحياء الأوقاف القائمة وتحويل أصولها الخاملة أو ضعيفة العائد إلى مؤسسات منتجة، كما تتشجع أموال كثيرة في الداخل والمهجر على إنشاء أوقاف جديدة؛ لأن المحسن لا يحجم غالبًا عن الخير، وإنما يحجم حين يفقد الثقة في الإدارة والحماية والشفافية.
وبذلك يصبح الوقف في السلم والحرب مؤسسة دائمة للإنقاذ والبناء، تغيث المحتاج، وتعلم الطفل، وتعالج المريض، وتشغّل الشباب، وتمكّن المرأة، وتحيي الريف، وتدعم السلام، وتصل بين الحاجة العاجلة والبناء الطويل. فالوقف ليس مالًا يُحبس عن الحياة، بل مالًا يُطلق الحياة، وواحدًا من الجسور التي يعبر بها السودان من الحرب والضعف إلى التعافي والعمران.





