
من أخطر ما دخل على مائدة الإنسان المعاصر أن السكر لم يعد شيئًا نراه في ملعقةٍ بيضاء نضيفها إلى كوب الشاي أو القهوة فحسب، بل صار حاضرًا في أطعمةٍ ومشروباتٍ كثيرة لا ينتبه إليها الناس. قد يظن الإنسان أنه لا يكثر من السكر لأنه لا يأكل الحلوى كل يوم، ولكنه يشربه في العصائر الصناعية، والمشروبات الغازية، والشاي المتكرر، والقهوة المحلاة، والبسكويت، والكيك، والصلصات الجاهزة، والزبادي المحلى، وبعض حبوب الإفطار، وبعض المخبوزات، بل قد يدخل السكر في أشياء لا يتوقعها المستهلك العادي، فيأخذ منه جسمه أكثر مما يظن، ثم تظهر العاقبة في الوزن، والخمول، واضطراب السكر، وضعف الأسنان، وكثرة الاشتهاء، وتعب البدن مع مرور الزمن.
والسكر في أصله ليس شرًّا مطلقًا؛ فالإنسان يأكل التمر، والعسل، والفواكه، وبعض الأطعمة الطبيعية التي فيها حلاوة جعلها الله في خلقه ورزقه. ولكن الفرق كبير بين حلاوةٍ تأتي في طعامٍ طبيعي متكامل، معه ألياف أو معادن أو عناصر نافعة، وبين سكرٍ مضافٍ مجردٍ يدخل الجسم سريعًا وبكمياتٍ كبيرة دون أن يشعر الإنسان. فالتمر مثلًا ليس كالمشروب الغازي، والفواكه ليست كالعصير الصناعي، والعسل في موضعه ليس كالحلوى المصنّعة التي تجمع السكر والدهن والمواد المضافة في صورةٍ واحدة.
وقد امتن الله تعالى على عباده بثمر النخل والأعناب وما يخرج منها من رزقٍ حسن، فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 67]. والآية تفتح باب التأمل في أن الحلاوة الطبيعية من نعم الله، ولكنها أيضًا تدعو إلى العقل؛ لأن النعمة إذا فارقها العقل تحولت إلى إسرافٍ وضرر. فليس المطلوب أن يعادي الإنسان كل طعمٍ حلو، وإنما المطلوب أن يفرّق بين رزقٍ حسنٍ يؤكل بقدر، وبين عادةٍ يوميةٍ تجعل الحلاوة طاغيةً على المائدة والشراب والذوق.
وأول مظهرٍ من مظاهر السكر الخفي في حياتنا هو الشاي المحلى. فكوب الشاي في كثير من البيوت لا يأتي وحده، بل يأتي معه مقدارٌ من السكر يتكرر مراتٍ في اليوم. وقد يقول الإنسان: إنها ملعقة أو ملعقتان فقط، لكن المشكلة ليست في الكوب الواحد، بل في التكرار. فإذا شرب الإنسان عدة أكواب في اليوم، ثم أضاف إليها مشروبًا محلى أو قطعة حلوى أو عصيرًا صناعيًا، صار مجموع السكر أكبر بكثير مما يتخيله. وما يتكرر كل يوم لا يبقى صغيرًا في أثره، ولو بدا صغيرًا في كل مرة.
ومن مظاهر السكر الخفي أيضًا أن كثيرًا من الناس يستبدلون الفاكهة بالعصير، ويظنون أن الأمر سواء. والحق أن أكل الفاكهة في صورتها الطبيعية غالبًا أفضل من شربها عصيرًا، لأن الفاكهة تُؤكل ببطء، وتشغل المعدة، وتأتي معها أليافها، أما العصير فيدخل سريعًا، وقد يحتاج الكوب الواحد إلى أكثر من ثمرة، ثم قد يضاف إليه السكر، فيتحول من غذاءٍ طبيعي إلى جرعة حلاوةٍ مركزة. فإذا كان هذا في العصير الطبيعي عند الإفراط، فكيف بالعصائر الصناعية التي قد تكون في كثيرٍ من الأحيان ماءً وسكرًا ونكهاتٍ وألوانًا أكثر مما هي غذاء حقيقي؟
وقد جاء في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو أصلٌ عظيم في منع الإنسان من إيقاع الضرر بنفسه أو بغيره. وفي باب السكر، لا يعني هذا الحديث أن كل حلوى محرمة، ولا أن كل طعمٍ حلوٍ ممنوع، ولكن معناه أن المسلم لا ينبغي أن يجعل من عاداته اليومية ما يغلب على الظن أنه يضر بدنه، خصوصًا إذا ظهرت عليه علامات الخطر، أو كان مريض سكري، أو لديه زيادة وزن، أو تاريخ عائلي مع المرض، أو نصحه الطبيب بتقليل السكر ثم استمر كأن الأمر لا يعنيه.
والسكر الخفي لا يضر الجسم من جهة واحدة فقط. فهو يزيد الطاقة الداخلة إلى البدن دون أن يعطي شبعًا حقيقيًا في كثير من صوره، فيسهل معه زيادة الوزن. وهو يدرّب اللسان على طلب الحلاوة العالية، حتى تصبح الأطعمة الطبيعية في نظر الإنسان باهتةً لا طعم لها. وهو يرهق الأسنان، خاصة عند الأطفال الذين يكثرون من الحلوى والمشروبات المحلاة. وهو يربك علاقة الإنسان بالجوع والشبع، فيأخذ شيئًا سريعًا يرفع نشاطه قليلًا، ثم يعود بعده إلى خمولٍ أو اشتهاءٍ جديد، فيدخل في دائرةٍ من الطلب المتكرر.
والطفل هو الضحية الأولى لثقافة السكر الخفي. فالبيت الذي يرضي الطفل كلما بكى بالحلوى، أو يسكت طلبه بالمشروب المحلى، أو يجعل العصير الصناعي جزءًا يوميًا من حقيبته، أو يربط المكافأة دائمًا بالشوكولاتة والبسكويت، إنما يربي ذوقه منذ الصغر على أن الحلاوة هي الأصل. ثم إذا كبر الطفل صعب عليه أن يقبل الماء، أو اللبن غير المحلى، أو الفاكهة الطبيعية، أو الطعام البسيط. وهكذا لا يبدأ المرض دائمًا في سن الكبر، بل قد تبدأ عاداته الأولى في الطفولة.
أن الإنسان مسؤول عن أهل بيته، لا يتركهم لكل عادةٍ تفسدهم. ومن تمام هذه المسؤولية أن لا يسلّم صحة الأطفال للإعلان، ولا يجعل ذوقهم رهينةً للمنتجات المحلاة، ولا يظن أن توفير كل ما يشتهونه علامة حب، فإن الحب أحيانًا أن تمنع برفق، وأن تعوّد بصبر، وأن تبني عادةً تنفعهم حين يكبرون.
ومن الخطر أن يتحول السكر إلى مظهر كرمٍ اجتماعي. فكثير من الضيافة عندنا تقوم على الشاي شديد الحلاوة، والحلوى، والعصائر، والمشروبات الغازية، حتى صار من يخفف السكر كأنه قصّر في الإكرام. وهذا فهم يحتاج إلى تصحيح. فالكرم ليس أن نرهق الضيف بما يضره، ولا أن نخجل من تقديم الماء أو التمر أو الفاكهة أو الشاي الخفيف أو الطعام البسيط المتوازن. وقد يكون أعظم الكرم أن تراعي حال الكبير، ومريض السكري، ومن يحاول إصلاح صحته، فلا تحاصره بما يستحي أن يرفضه.
والإسلام لم يجعل إكرام الضيف بابًا للإسراف ولا للمباهاة، بل ربط النعم بالشكر وحسن التصرف. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 26-27]. والتبذير لا يكون في المال وحده، بل يظهر أثره حين ننفق على ما يضر أكثر مما ينفع، وحين نجعل جزءًا معتبرًا من دخل البيت في مشروبات وحلويات لا تبني بدنًا ولا تحفظ صحة. وليس معنى ذلك إلغاء الفرح أو المناسبة أو الضيافة، ولكن معناه أن يعود العقل إلى موضع القيادة، وأن لا تتحول الحلاوة من شيءٍ عارض إلى نظام حياة.
ومن أهم ما ينبغي الانتباه إليه قراءة المكونات. فكثير من المنتجات لا تكتب كلمة السكر وحدها، بل قد يظهر السكر بأسماء مختلفة، مثل شراب الجلوكوز، أو الفركتوز، أو السكروز، أو شراب الذرة، أو الدكستروز، أو غيرها من الأسماء. وليس المطلوب من عامة الناس أن يصيروا خبراء في الكيمياء، ولكن المطلوب أن يفهموا قاعدة بسيطة: كلما كان المنتج شديد الحلاوة، أو كانت مكوناته كثيرة غامضة، أو كان موجّهًا للأطفال بطعمٍ ولونٍ وإعلانٍ جذاب، احتاج إلى حذرٍ أكبر.
وفي واقعنا السوداني، نستطيع أن نخفف السكر دون أن ندخل الناس في مشقة. يمكن أن يبدأ البيت بتقليل السكر في الشاي تدريجيًا، لا دفعةً واحدة. ويمكن أن تُستبدل المشروبات الغازية بالماء أو بالكركدي غير المحلى أو قليل السكر، وأن تؤكل الفاكهة بدل العصائر الصناعية، وأن تكون الحلوى للمناسبات لا عادةً يومية، وأن لا يضاف السكر إلى كل شيء. والذوق يتربى بالتدرج؛ فمن اعتاد ثلاث ملاعق يمكن أن ينتقل إلى ملعقتين، ثم إلى ملعقة، ثم إلى أقل من ذلك، حتى يكتشف أن الطعم الحقيقي للشاي أو القهوة أو اللبن لا يحتاج كل هذه الحلاوة.
ومن المهم كذلك أن نفرق بين حاجات الناس. فالعامل الذي يبذل جهدًا بدنيًا كبيرًا ليس كالذي يجلس أكثر يومه، والطفل النشيط ليس كالكبير قليل الحركة، ومريض السكري ليس كالصحيح، ومن عنده سمنة أو دهون أو ضغط أو مشكلات قلب ليس كغيره. لذلك لا يصح أن نجعل قاعدة واحدة لكل الناس، ولكن يصح أن نقول إن تقليل السكر المضاف نافعٌ في الجملة، وإن مريض السكري أو من لديه اضطراب في سكر الدم يجب أن يكون اشد حرصا وحذرا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». ومن الغبن في الصحة أن يملك الإنسان عافيته ثم يستهلكها في عاداتٍ صغيرةٍ متكررة يعرف ضررها ولا يبالي بها. والصحة لا تضيع دائمًا بضربةٍ واحدة، بل قد تضيع بملاعق صغيرة لا تُحسب، وأكوابٍ متكررة لا يُلتفت إليها، وعلبٍ محلاة تبدو بريئة في لحظتها، لكنها تصنع مع الزمن مسارًا آخر للجسد.
وليس العلاج أن نعلن حربًا نفسية على كل حلو. فالمنع القاسي قد يجعل الإنسان ينفر ثم يعود أسوأ مما كان. إنما العلاج في الوعي والتدرج والبدائل. أن يعرف الإنسان أين يختبئ السكر، وأن يقلله شيئًا فشيئًا، وأن يعيد ذوقه إلى الحلاوة الطبيعية، وأن يجعل الماء أصل الشراب، وأن يحمي الطفل من الإدمان المبكر على الطعم الحلو، وأن يجعل المناسبات مناسبات لا عادة يومية، وأن يفهم أن اللذة القصيرة لا ينبغي أن تهزم المصلحة الطويلة.
ومن الحكمة العملية أن نسأل قبل أن نأكل أو نشرب: هل هذا السكر ظاهر أم خفي؟ هل أحتاجه فعلًا أم أتناوله من العادة؟ هل هذا كوبٌ واحد أم سلسلة أكواب؟ هل هذه حلوى عارضة أم طقس يومي؟ هل أعطي طفلي غذاءً أم أشتري صمته مؤقتًا؟ هل أكرم ضيفي أم أحرجه بما يضره؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى طبيب في كل مرة، لكنها تحتاج إلى صدق مع النفس.
إن السكر الخفي خطره في خفائه قبل كثرته. فالإنسان قد يحذر من طبق الحلوى الواضح، لكنه لا يحذر من السكر الذي يشربه طوال اليوم. وقد يمتنع عن قطعة كيك، ثم يشرب من السكر في الشاي والعصير والمشروبات الغازية أكثر مما في تلك القطعة. ولذلك فإن إصلاح علاقة الإنسان بالسكر يبدأ من كشفه: أن نراه حيث لا ننتبه، وأن نحسب تكراره لا صورته المفردة، وأن نعيد للحلاوة مكانها الطبيعي، فلا تكون حاكمةً على الذوق، ولا قائدةً للشراء، ولا بديلًا عن الغذاء الحقيقي.
وهكذا فإن الغذاء يكون صحةً حين تبقى الحلاوة في موضعها وقدرها، ويكون مرضًا حين تصبح الحلاوة عادةً غالبةً لا يضبطها عقل ولا حاجة. والبيت الذي يخفف السكر لا يحرم أبناءه، بل ينقذ أذواقهم وأجسادهم من عبءٍ يتراكم بصمت. والمجتمع الذي يعيد تعريف الكرم بعيدًا عن الإفراط في الحلو والمشروبات المحلاة، لا يفقد مروءته، بل يرتقي بها. فالحلاوة نعمة حين تضبطها الحكمة، وعبء حين تستعبد اللسان، وتخدع الجسد، وتفتح للمرض بابًا كان يمكن إغلاقه بوعيٍ قليلٍ وتدرجٍ صادق.



