
السودان ليس بلدًا عاديًا في موقعه ولا في تكوينه ولا في موارده ولا في تاريخه. فهو جسر واسع بين شمال أفريقيا ووسطها وشرقها، وبين العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء، وبين البحر الأحمر والعمق القاري الأفريقي. وهو أرض حضارات قديمة وممالك راسخة ومسارات هجرة وتجارة ودين وثقافة. ومن حيث الموارد، هو واحد من أغنى أقطار المنطقة بما اجتمع له من أرض وماء ومعادن وثروة حيوانية وموقع استراتيجي وسواحل وموانئ وطاقات بشرية. ومع ذلك ظل السؤال المؤلم قائمًا: لماذا بقي السودان، رغم كل هذه الإمكانات، في دائرة الفقر والاضطراب والتراجع؟ ولماذا لم تتحول هذه الثروة الواسعة إلى دولة مزدهرة مستقرة قوية؟
إن فهم السودان لا يبدأ من أزماته السياسية الأخيرة وحدها، ولا من الحروب والانقلابات فقط، بل يبدأ من عمقه التاريخي وتكوينه الاجتماعي والجغرافي. فقد قامت في أرضه حضارات عظيمة من حضارات وادي النيل، مثل كرمة ونبتة، ثم جاءت الممالك المسيحية في الشمال والوسط، مثل نوباتيا والمقرة وعلوة، ثم انتشر الإسلام واللغة العربية عبر الهجرات والتجارة والمصاهرة والتفاعل الاجتماعي الطويل، حتى نشأت سلطنة الفونج في سنار، وسلطنة الفور في دارفور، وممالك ومشيخات أخرى صاغت ملامح السودان الوسيط: بلد مسلم في غالبه، عربي اللسان في معظمه، أفريقي الجغرافيا والامتداد، متعدد الأعراق والثقافات والقبائل والبيئات.
وهذه الحقيقة المركبة هي مفتاح من مفاتيح فهم السودان. فهو ليس كتلة بشرية واحدة بسيطة، ولا بلدًا يمكن اختزاله في قبيلة أو جهة أو إقليم أو لون أو نسب. فيه الشمال النيلي، والشرق البحري، والغرب الواسع، والوسط الزراعي، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والبادية، والحضر، والقرى، والرعاة، والمزارعون، والتجار، وأهل الخلاوى والأسواق والقوافل. وهذا التنوع، لو أُحسن فهمه وإدارته، مصدر ثراء وقوة واتساع؛ لكنه حين تغيب الدولة العادلة، وتضعف التنمية، ويختل توزيع الخدمات، وتُستعمل القبيلة في السياسة والحرب، يتحول من نعمة اجتماعية إلى وقود للصراع.
والثقافة السودانية ثقافة واسعة المزاج، متعددة المنابع. فيها أثر النيل والزراعة، وأثر الصحراء والرعي، وأثر الخلاوى والتعليم الأهلي، وأثر الأسواق والقوافل، وأثر البادية والحضر، وأثر البحر الأحمر والموانئ، وأثر الهجرات المتداخلة عبر القرون. ولذلك عرف السودانيون الكرم والمروءة والتسامح الاجتماعي واحترام الضيف والتكافل الأهلي والنفير والشعر الشعبي والحكمة الريفية والمجالس والأدب الشفهي. وفي السودان قابلية فطرية عظيمة للتعايش، لكنها أُنهكت بفعل الفقر والحروب وسوء الإدارة وضعف القانون وتراجع التعليم واستعمال الانتماءات الأهلية في الصراع على السلطة والثروة.
أما من حيث الموارد، فالسودان مدرسة كاملة في معنى الغنى غير المستغل. فالأرض الزراعية واسعة، والمياه النيلية والموسمية والجوفية أساس ضخم للزراعة والري، والمناخات المتنوعة تسمح بإنتاج الحبوب والقطن والسمسم والفول السوداني والصمغ العربي والذرة والدخن والخضر والفواكه والأعلاف والمحاصيل البستانية والنباتات الطبية والعطرية.
وثروته الحيوانية من الإبل والأبقار والضأن والماعز من أكبر الثروات في المنطقة، ويمكن أن تكون أساسًا لصناعات ضخمة في اللحوم والألبان والجلود والأعلاف والصادرات الحية والمصنعة. وفي باطن الأرض ذهب ومعادن أخرى، وفي البحر الأحمر ساحل وموانئ ومصائد وأسماك وسياحة بحرية وموقع ملاحي بالغ الأهمية. وفوق ذلك يقع السودان في موضع جغرافي يجعله قادرًا، إذا أحسن التخطيط، على أن يكون معبرًا للتجارة والطاقة والغذاء بين أفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر ووسط أفريقيا.
لكن المشكلة الكبرى أن السودان لم يعانِ من قلة الموارد بقدر ما عانى من سوء تحويلها إلى قوة إنتاجية منظمة. فالأرض الواسعة لا تصنع نهضة بمجرد اتساعها، والماء لا يصنع زراعة متقدمة ما لم توجد إدارة ري حديثة، والمعادن لا تبني دولة إذا بقيت في دائرة العشوائية والتهريب، والثروة الحيوانية لا تغني البلاد إذا ظلت رعوية تقليدية بلا تصنيع وسلاسل قيمة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا غابت الدولة القوية القادرة على حمايته واستثماره.
ومن هنا ينبغي أن يكون تقييم وضع السودان قياسًا إلى إمكاناته تقييمًا صريحًا لا مجاملة فيه. فقد كان يمكن للسودان، بما لديه من أصول طبيعية وبشرية، أن يكون دولة محورية في إنتاج الغذاء والثروة الحيوانية والمعادن والخدمات اللوجستية، وأن يربط البحر الأحمر بالعمق الأفريقي، ومصر وشرق المتوسط بوسط أفريقيا، والخليج بالقرن الأفريقي. لكنه ظل أقل كثيرًا من قدرته الممكنة؛ إذ بقيت الزراعة في معظمها تقليدية أو شبه تقليدية، وتعثرت المشروعات الكبرى، وضعفت الصناعة، وتأثرت التجارة، وتراجع التعليم والصحة، وضعفت الخدمة المدنية، واحتاجت مؤسسات العدالة والخدمة العامة إلى بيئة أفضل ومعينات حديثة واستقلال وكفاءة وتقنية رقمية، وفقدت العملة كثيرًا من قيمتها، ودخل الناس في دوائر قاسية من الغلاء والفقر والهجرة والنزوح والحرب.
ولا يصح أن نردّ كل هذا إلى سبب واحد؛ فالانحطاط المركب لا تصنعه علة واحدة. من أسباب التخلف غياب الرؤية الكلية الجامعة، وضعف الإدارة العامة، وتسييس الخدمة المدنية، وإهدار الكفاءات، وتغليب الولاء على الجدارة، وتكرار الانقلابات والصراعات، وغياب الاستقرار الدستوري، وضعف حكم القانون، وتعدد الرسوم والجبايات، واضطراب السياسات، وانعدام الثقة بين المواطن والدولة، وبين المستثمر والبيئة العامة، وبين المنتج والسوق.
ومن أخطر مظاهر التخلف ضعف البنية التحتية التي تقوم عليها كل نهضة حقيقية. فالسودان لا تعوقه الموارد وحدها، بل تعوقه قبل ذلك الطاقة غير المستقرة، والطرق المتردية، وضعف النقل البري، وتراجع السكك الحديدية، ومحدودية كفاءة الموانئ، وضعف النقل الجوي، ونقص التخزين، وغياب النقل البارد، وضعف الاتصالات في كثير من المناطق، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، وغياب الأسواق المنظمة والمسالخ الحديثة والمختبرات والمواصفات والمناطق الصناعية المؤهلة. ولا يمكن لبلد زراعي أن ينهض بلا طرق تربط الحقول بالأسواق والموانئ، ولا لبلد معدني أن يستفيد من معادنه بلا كهرباء وقانون وشفافية، ولا لثروة حيوانية ضخمة أن تتحول إلى قيمة حقيقية بلا مسالخ وسلاسل تبريد وصناعات غذائية وجلدية.
غير أن ضعف هذه البنى لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مشكلة فنية معزولة في الطاقة أو الطرق أو النقل أو الموانئ وحدها؛ فالعجز في الطاقة، وتذبذب القليل المتاح منها، وتدهور الطرق، وتراجع السكك الحديدية، وضعف الموانئ والطيران والتخزين والنقل البارد والاتصالات والخدمات، كلها في جوهرها نتائج لغياب البيئة الكلية السليمة التي تجعل التخطيط والتمويل والاستثمار والإدارة والمحاسبة ممكنة. فالطاقة لا تستقر بلا سياسة اقتصادية واضحة، والطرق لا تُبنى ولا تُصان في ظل اضطراب مالي وإداري، والموانئ لا تتطور بلا عقود شفافة وقوانين مستقرة، والسكك الحديدية لا تعود بلا تمويل طويل الأجل وإدارة محترفة، والاستثمار لا يدخل بيئة يغيب فيها وضوح سعر الصرف، وحرية التحويل، وحماية العقود، واستقرار القانون.
ومع ذلك، فإن السودان ليس بلدًا ميؤوسًا منه، بل هو من أكثر البلدان قابلية للنهوض إذا توفرت الرؤية والإرادة والقيادة والنظام. فالخراب فيه كبير، لكن أصول النهوض فيه أكبر: الأرض موجودة، والماء موجود بدرجات متفاوتة، والثروة الحيوانية موجودة، والمعادن موجودة، والموقع موجود، والإنسان السوداني، رغم إنهاكه، ما زال يحمل قدرًا عظيمًا من الذكاء والصبر والقدرة على التعلم والعمل والنجاح متى وجد بيئة صالحة. ولذلك فإن السؤال ليس: هل يستطيع السودان أن ينهض؟ بل السؤال: ما الطريق الصحيح حتى لا نعيد إنتاج الفشل بأسماء جديدة؟
إن الطريق يبدأ من الاعتراف بأن الأزمة كلية، وأن علاجها يجب أن يكون كليًا. فلا يكفي مشروع زراعي هنا، ولا طريق هناك، ولا محطة كهرباء معزولة، ولا نفير في قطاع بعينه، ولا مبادرة موسمية، ولا خطاب سياسي، ولا وعود عامة. فالسودان يحتاج أولًا إلى إعادة بناء البيئة الكلية التي تجعل كل هذه المشروعات ممكنة؛ لأن المشروعات الكبرى لا تنجح لمجرد إعلانها، بل تنجح حين تقوم في بيئة مستقرة، شفافة، قابلة للتمويل، جاذبة للاستثمار، حافظة للعقود، ضابطة للمال العام، ومفتوحة أمام الإنتاج والتصدير.
وهذه البيئة الكلية لا تقوم إلا بحزمة متكاملة، في مقدمتها إصلاح الخلل الاقتصادي العميق، وعلى رأسه تحرير سعر الصرف عبر آلية شفافة قائمة على العرض والطلب، من خلال منصة مركزية معلنة تعرض أسعار البنوك والصرافات بصورة واضحة، لا عبر توجيه إداري منفصل عن الواقع. وتشمل كذلك إنهاء تعدد الأسواق، وتحرير التجارة والاستثمار والتحويلات بضوابط القانون، وتبسيط الإجراءات، وضمان حرية دخول الأموال وخروجها وفق قواعد معلنة، وتوحيد الرسوم وتقليل الجبايات، وإزالة العوائق أمام التصدير، وفتح المجال للمنافسة، ومنع الاحتكار، وربط الامتيازات بالأداء الحقيقي لا بالعلاقات.
فإذا لم يكن المستثمر قادرًا على إدخال ماله وإخراجه وفق القانون، وإذا لم يكن المصدر مطمئنًا إلى حصائله، وإذا لم يكن المستورد قادرًا على حساب تكلفته، وإذا لم يكن المواطن يرى سعرًا واضحًا شفافًا للعملة، فإن الاقتصاد كله يدخل في الظلام، وحينها تنشط المضاربات والتهريب والفساد، ويضعف الإنتاج، وتتسع البطالة، وتفقر الدولة والمجتمع معًا.
وتحتاج هذه البيئة كذلك إلى حوكمة مؤسسية صارمة تمنع التحرير من التحول إلى فوضى. فالتحرير بلا قانون قد يفتح الباب للمتلاعبين، أما التحرير المنضبط فيفتح الباب للمنتجين. ولذلك لا بد من دولة قوية في مواضعها الصحيحة: دولة لا تخنق السوق، لكنها تراقب المنافسة؛ لا تصادر المال، لكنها تجمع حقها الضريبي بعدل وشفافية؛ لا تعطل التجارة، لكنها تمنع التهريب وغسل الأموال والغش؛ لا تتدخل في كل سعر، لكنها تحمي المستهلك من الاحتكار والخداع؛ لا تدير كل مشروع، لكنها تضع القواعد وتحاسب المخالفين. وهذه الحوكمة تحتاج إلى قضاء كفء، وشرطة مهنية، ونيابة فاعلة، وخدمة مدنية محترفة، ومؤسسات رقابة، وقوانين واضحة، وعقود محترمة، وإجراءات مستقرة لا تتغير كل يوم.
وتحتاج البيئة الكلية أيضًا إلى رقمنة شاملة تنقل الدولة من الفوضى إلى النظام. فلا بد من سجل مدني موحد، وسجل أراضٍ رقمي، ومنصة ضرائب وجمارك، ونظام مصرفي متصل، ومنصة استثمار، ومنصة مشتريات حكومية شفافة، ورقمنة القضاء والبلاغات والخدمات، وربط المحليات والولايات بالمركز، ولوحة مؤشرات قومية تقيس الأداء في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق والإيرادات والصادرات والواردات. وحين تصبح الدولة مرئية رقميًا، يصعب إخفاء الفساد، ويقل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتتحسن الإيرادات دون زيادة ظالمة في الجبايات.
وعند إصلاح هذه البيئة الكلية، لا تحتاج الدولة إلى أن تحمل وحدها كل عبء النهضة، ولا أن تنشئ بيدها كل مشروع كبير أو صغير؛ فصلاح البيئة هو الذي يفتح الباب تلقائيًا أمام المشروعات الكبرى والصغرى معًا. عندها تتحرك الزراعة نحو الري المحسن والبذور الجيدة والميكنة والتخزين والتصنيع الغذائي، وتنتقل الثروة الحيوانية من تصدير الخام إلى تصنيع اللحوم والألبان والجلود والأعلاف، وينتظم التعدين الأهلي في أطر مرخصة وآمنة، وتتجه الطاقة إلى التوليد المتنوع وإصلاح الشبكات، ويعود النقل والسكك الحديدية والموانئ والطيران إلى دائرة الاستثمار والتحديث، وتنهض الصناعات والخدمات والحرف والتقنية والتجارة من تلقاء نفسها كلما قلت الجبايات، واستقرت القواعد، وتوفرت الثقة، وصار الإنتاج أجدى من المضاربة والتهريب والانتظار.
وبصلاح هذه البيئة نفسها يجد التعليم والصحة طريقهما إلى الإصلاح الحقيقي؛ فالتعليم لا ينهض بالشعارات، بل حين تتوفر الموارد، وتستقر الإدارة، وتُكرَّم الكفاءة، ويُفتح سوق العمل أمام المهارة والإنتاج، فتتوسع المدارس الجيدة، والتعليم الفني والمهني، والتدريب، والربط بين المعرفة وحاجات الاقتصاد. والصحة لا تنهض بالوعود، بل حين تستقر سلاسل الإمداد، وتتحسن الإيرادات العامة، وتُرقمن الملفات، وتُضبط المشتريات، وتُدار المستشفيات والمراكز الصحية بكفاءة وعدالة.
وكذلك السلام، فإنه لا يصنعه التوقيع السياسي وحده، بل تصنعه البيئة العادلة التي تُضعف أسباب الحرب من جذورها: دولة واحدة، وجيش واحد، وسلاح واحد، وقانون واحد، وتنمية متوازنة، وفرص عمل، وخدمات، وتمثيل عادل لا يتحول إلى محاصصة قبلية، وعدالة رشيدة تعالج المظالم وتمنع تحويل القبيلة إلى بديل للدولة. فإذا صلحت البيئة الكلية، ضاق مجال الحرب واتسع مجال الدولة، وتراجعت دوافع الفوضى أمام مصالح الناس في الاستقرار والإنتاج والحياة الكريمة.
والهوية السودانية تحتاج إلى خطاب جامع منضبط. فالسودان بلد مسلم في غالبه، بل يكاد يكون كله كذلك، ولذلك ينبغي أن تكون أحكام الإسلام وقيمه ومقاصده العليا حاضرة في بناء الدولة والمجتمع، لا حضور شعارات عامة أو هياج عاطفي أو عبارات فضفاضة بلا ضبط، بل حضورًا مؤسسيًا واضحًا يقوم على العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، ومحاربة الفساد، ورعاية الضعيف، وتنظيم المعاملات، وإقامة المصالح، ودرء المفاسد، عبر تصورات محددة وبرامج عملية قابلة للتنفيذ والمراجعة والمحاسبة. والسودان كذلك عربي اللسان في معظمه، بل تكاد العربية تكون لسانه الجامع، والعروبة في تعريفها الحق لسان قبل أن تكون عرقًا؛ فمن تكلم العربية وانتمى إلى ثقافتها الجامعة فهو عربي بهذا المعنى، ومن فقد لسانها لم تنفعه دعوى النسب الخالص في حقيقة الانتماء الثقافي. وبهذا المعنى، فإن السودان يكاد يكون كله عربيًا مسلمًا، مع بقائه أفريقي الجغرافيا والامتداد، متعدد الثقافات والأعراق، ولا تعارض بين هذه الدوائر إذا أُديرت بعقل وعدل. المشكلة لا تكون في التنوع، بل في الظلم. ولا تكون في القبائل، بل في تحويل القبيلة إلى بديل للدولة. ولا تكون في الإسلام، بل في رفعه شعارًا بلا علم ولا عدل ولا مقاصد ولا برامج.
إن النهضة السودانية الممكنة ليست حلمًا رومانسيًا، وليست خطبة حماسية، بل مشروع دولة. تبدأ بإعلان وطني واضح يحدد الاتجاه: تحرير شامل، حوكمة صارمة، رقمنة متكاملة، وحدة السلاح، إصلاح الخدمة المدنية ومؤسسات العدالة، إطلاق الإنتاج، حماية الاستثمار، توسيع الصادرات، بناء البنية التحتية، وتعليم جديد. ثم تتحول هذه المبادئ إلى قرارات تنفيذية محددة، بجدول زمني، ومؤشرات أداء، ومسؤوليات معلنة، وتقارير دورية للشعب. فلا يكفي أن نقول نريد إصلاحًا؛ بل يجب أن نحدد من يفعل ماذا، ومتى، وبأي موارد، وبأي قانون، وكيف يحاسب إذا فشل.
ولو بدأ السودان بهذا الطريق بجدية، فإن أثره لن يكون بطيئًا كما يظن كثيرون. فمجرد وضوح السياسة الاقتصادية، وتوحيد سعر الصرف، وحرية التحويل، وتبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، ومحاربة الجبايات، سيعيد جزءًا كبيرًا من الثقة. ومع الثقة تعود التحويلات، ويتشجع المصدرون، ويدخل المستثمرون، وينشط الإنتاج، وتتحسن الإيرادات، وتبدأ الدولة في تمويل الخدمات من حركة الاقتصاد لا من الجباية الخانقة. ومع الطرق والكهرباء والموانئ والتخزين، تتحول الزراعة من نشاط موسمي فقير إلى قطاع قائد. ومع تنظيم التعدين، يصبح الذهب والمعادن سندًا للخزانة لا نزيفًا عبر التهريب. ومع تصنيع الثروة الحيوانية، ينتقل السودان من بيع الخام إلى بيع القيمة. ومع التعليم الفني، يجد الشباب أبواب عمل بدل الهجرة واليأس والحرب.
لكن إن بقي السودان في طريقه القديم، طريق القيود والتردد والتجزئة والمحاصصة والجبايات وتعدد الأسعار وضعف القانون والورق والفساد والحلول الإسعافية، فسوف تبقى الموارد نفسها بلا أثر حقيقي، بل قد تتحول إلى سبب صراع أكبر. فالأرض التي لا تديرها دولة عادلة تصبح موضع نزاع، والذهب الذي لا تضبطه مؤسسات يصبح باب تهريب وفساد، والثروة الحيوانية التي لا تصنعها مصانع تبقى رهينة الوسطاء، والموقع الاستراتيجي الذي لا تحميه دولة قوية يصبح مطمعًا للآخرين.
وخلاصة القول إن السودان بلد عظيم الإمكان، عميق التاريخ، واسع المجتمع، غني الثقافة، ضخم الموارد، لكنه ابتُلي بضعف الرؤية، واضطراب الدولة، وتسييس المؤسسات، وتكرار الحروب، وسوء إدارة التنوع، وتآكل البنية التحتية في الطاقة والطرق والنقل والسكك الحديدية والموانئ والطيران والاتصالات والخدمات. وسبب ذلك كله في جوهره غياب البيئة الكلية السليمة التي لا تقوم إلا بتحرير اقتصادي منضبط، وسعر صرف شفاف، وحوكمة صارمة، ورقمنة شاملة، وقانون مستقر، ومؤسسات محترفة، وعدالة تصون الحقوق، وتعليم يبني الإنسان، وسلام يقوم على الدولة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد. وليس خلاص السودان في شعار واحد، ولا زعيم واحد، ولا نفير عابر، ولا مشروع منفرد، بل في إعادة بناء هذه البيئة الكلية التي تجعل كل خير ممكنًا.
وحين يفعل السودان ذلك، فلن يكون مجرد بلد خرج من أزمة، بل سيكون بلدًا استعاد معناه. فقد ظل طويلًا وطنًا مؤجلًا، لا لأنه فقير في ذاته، بل لأن مفاتيح قوته لم توضع في أبوابها الصحيحة. فإذا وُضعت الرؤية في موضعها، والسياسة في موضعها، والسوق في موضعه، والدولة في موضعها، والإنسان في موضعه، فإن هذا البلد الذي طال انتظاره يستطيع أن ينتقل من خانة الإمكان المعطل إلى خانة النهضة الفعلية، ومن الحزن المتكرر إلى البناء المتصل، ومن سؤال: لماذا تخلف السودان؟ إلى جواب جديد: هكذا نهض السودان.





