مقالات

السودان والغرب… مصالح ثابتة وسياسات متغيرة

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

كثيرًا ما تُقرأ علاقة السودان بالغرب من خلال تصريح أو عقوبة أو مبادرة عابرة، فيُظن أنه أصبح صديقًا للسودان أو عدوًا له. غير أن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالح ثابتة نسبيًا، بينما تتغير سياساتها وأدواتها بتغير الحكومات والظروف وموازين القوة.
منذ العهد الاستعماري، لم يُنظر إلى السودان بوصفه بلدًا معزولًا، بل حلقة تصل شمال أفريقيا بشرقها ووسطها، وتجاور مصر والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتملك أراضي ومياهًا ومعادن وثروة حيوانية كبيرة. ولذلك ظل موقعه وموارده أساسًا للاهتمام الخارجي به.

وقد تجلّى إدراك بريطانيا المبكر لهذه الإمكانات في إقامة مشروع الجزيرة وشبكات الري والسكك الحديدية والموانئ ووسائل نقل المحاصيل. ولم يكن المقصود الأول بناء اقتصاد سوداني مستقل ومتكامل، بل تنظيم استغلال الموارد وربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير لخدمة الاقتصاد الإمبراطوري. ومع ذلك، تؤكد ضخامة تلك المنشآت رسوخ اليقين بما يملكه السودان من قدرات إنتاجية وموقعية متى توافرت الإدارة والبنية الملائمتان.

وقامت السياسة الغربية تجاه السودان غالبًا على منع تحوله إلى مصدر تهديد للمصالح الغربية أو للاستقرار الإقليمي، والتأثير في اتجاهاته من غير تحمل الكلفة الكاملة لبناء دولته. ولهذا يزداد الاهتمام به عند الحروب والمجاعات والهجرة والإرهاب واضطراب البحر الأحمر، ثم يتراجع حين ينحسر الخطر المباشر، وإن بقيت أسبابه.
والغرب ليس كتلة واحدة. فالولايات المتحدة تنظر إلى السودان من زوايا الأمن الإقليمي، والبحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، والتنافس مع روسيا والصين وإيران، والعلاقة مع إسرائيل. أما أوروبا فتضيف مخاوف الهجرة واللجوء وانتقال الاضطراب إلى جوارها الجنوبي. وتختلف الأولويات والأدوات بين الدول والإدارات، لكنها تلتقي عند حماية المصالح الكبرى.

وتُظهر التجربة أن القوى الغربية قد تتعامل مع حكومات لا تنسجم مع قيمها المعلنة متى اقتضت مصالحها ذلك، ثم ترفع من شأن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتستخدم العقوبات عندما تتعارض السلطة القائمة مع أولوياتها. ولا يعني ذلك أن حقوق الإنسان مجرد ستار؛ فهي عنصر مؤثر في الثقافة السياسية والقانونية الغربية، ولا سيما الأوروبية، لكن تطبيقها يختلط بالمصالح ويخضع لترتيب الأولويات، فيشتد الضغط على دولة ويخف عن أخرى ترتكب تجاوزات مشابهة.
ويفضل الغرب العقوبات والضغط المالي والدبلوماسي والوساطات على التدخل العسكري المباشر؛ إذ يستطيع تقييد الأموال والأشخاص والمعاملات، وحشد المؤسسات الدولية، من غير أن يتحمل مسؤولية إدارة السودان أو إعادة بنائه. وتُستخدم العقوبات للضغط والردع والتفاوض، لا للتعبير الأخلاقي وحده، وقد تتجاوز آثارها الجهات المستهدفة فتدفع المصارف والمستثمرين وشركات التأمين والنقل إلى الإفراط في الحذر، بما يرفع كلفة التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.

ولذلك لا يكفي رفض العقوبات سياسيًا، بل ينبغي مواجهتها بالحجة والوثائق والتحرك القانوني والدبلوماسي، وإدارة معركة الرواية بفاعلية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتنويع الشراكات من غير استبدال الارتهان للغرب بالارتهان لمحور آخر.
وقد ظهر ذلك في التعامل الغربي مع حرب أبريل 2023؛ إذ انصبّ الاهتمام على احتواء آثارها بالقدر الذي يحمي المصالح الغربية وفق تقديرها لها، أكثر من تحمّل كلفة حلها جذريًا.
ولا يلزم وجود مؤامرة مكتوبة؛ فقد يؤدي الاكتفاء بإدارة الأزمة، بدل حلها، إلى إبقاء السودان بين الانهيار والنهوض: مساعدات تحد من الكارثة ولا تبني دولة، وضغوط لا توقف الحرب، ووساطات تحتوي الخطر من غير إزالة أسبابه.
كما أن موارد السودان وموقعه يجذبان تنافسًا خارجيًا تحكمه المصالح، لا الرغبة في نهضته. فالدولة الضعيفة يسهل النفاذ إلى مواردها والتأثير في قرارها، أما الدولة القوية فتنتج وتصنع وتفاوض وتحتفظ لنفسها بالنصيب الأكبر من القيمة.

وتنظر إسرائيل إلى السودان من زوايا أمن البحر الأحمر والملاحة، ومواجهة خصومها، والتطبيع، وموازين القوة الإقليمية. كما تؤثر جماعات الضغط المؤيدة لها في بعض دوائر القرار الأمريكي، لكن لا يصح اختزال السياسة الغربية كلها في الإرادة الإسرائيلية؛ فللدول الغربية مصالحها ومؤسساتها وخلافاتها.
وتتغير الأدوات بتغير الحكومات؛ فالإدارات الأمريكية الديمقراطية تُبرز الانتقال المدني وحقوق الإنسان بدرجة أكبر، وفق تكييفها لهذه المفاهيم ومدى جديتها في تطبيقها أو توظيفها لخدمة مصالحها، بينما تميل الإدارات الجمهورية، ولا سيما في عهد ترامب، إلى الأمن والصفقة والمصلحة المباشرة. غير أن اختلاف اللغة والأسلوب لا يلغي استمرار المصالح الأساسية.

ومن أخطاء السياسة السودانية اعتبار الخطاب الغربي التزامًا أخلاقيًا دائمًا، أو تصوير الغرب كله عدوًا متآمرًا يستحيل التعامل معه. فهو يتعامل مع السودان بقدر ما يمثله من منفعة أو خطر، وما يملكه من قوة أو ضعف.
فإذا بقي السودان منقسمًا ضعيف المؤسسات، فسيظل في النظر الخارجي أزمة أمنية وإنسانية تُدار بالمساعدات والعقوبات والوساطات، لا شريكًا يحظى بالاحترام. أما إذا استعاد وحدته، وبنى جيشًا وطنيًا واحدًا، وقانونًا نافذًا، واقتصادًا منتجًا ومؤسسات قوية، فسيتحول من عبء إلى شريك، ومن بلد يسهل استهدافه إلى دولة يُرغب في التعاون معها ويُحسب حساب قوتها وأوراقها؛ لأن الغرب وغيره يحتاجون إلى أمن البحر الأحمر وطرق التجارة والغذاء والمعادن والطاقة، وإلى شركاء يحدّون من الهجرة والإرهاب والاضطراب الإقليمي.

وكل دولة في هذا العالم ستظل، بصورة أو بأخرى، مستهدِفةً ومستهدَفةً في آن واحد: تستهدف تعظيم مصالحها وتأمين مواردها وأسواقها ونفوذها، وتتعرض لمحاولات الآخرين النفاذ إلى ثرواتها والتأثير في قرارها وإضعاف قدرتها التنافسية. فلا صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، بل مصالح وقوة ومساومة.
ولا تستطيع الدولة دفع الاستهداف عنها أو تحصيل نصيب عادل من المصالح بالخطاب وحسن النيات، وإنما بإصلاح بيئتها الكلية الداخلية: الحكم الرشيد، وسيادة القانون، والمؤسسات الفاعلة، والجيش الوطني الموحد، والاقتصاد المنتج، والتعليم والبحث العلمي، والبنية الأساسية، والإدارة الكفؤة، والنظام المالي الموثوق، والتماسك الاجتماعي، والسياسة الخارجية المستقلة والمتوازنة. ومن هذه البيئة تنهض الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات والدفاع والدبلوماسية والثقافة، وتتحول الموارد من مطمع للآخرين إلى أوراق قوة، والموقع من باب للتدخل إلى مصدر نفوذ.

وعندئذ يستطيع السودان السباحة في عالم لا يمنح أمنه واحترامه الوافيين إلا لمن يملك عناصر القوة ويحسن استخدامها كسبًا للمصالح ودفعًا للأضرار. أما الدولة الضعيفة، مهما عظمت مواردها، فتظل ساحةً لتنافس الآخرين؛ والدولة القوية تدخل هذا التنافس شريكًا فاعلًا، لا غنيمةً يتقاسمها غيرها.
والغرب أو غيره لن يصنع للسودان دولة أقوى مما يريدها السودانيون لأنفسهم، لكنه سيضطر إلى التعامل معه على أساس الندية والمصالح المتبادلة حين يصبح دولة تعرف ما تريد، وتملك قرارها ومؤسساتها وأدوات قوتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى