مقالات

الركابي حسن يعقوب يكتب | مجازر الدعم السريع.. وموت الضمير العالمي

في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، انطلقت الرصاصة الأولى من فوهة بندقية قوات الدعم السريع في العاصمة السودانية الخرطوم ضد الجيش السوداني في محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة، غير أنها لم يكتب لها النجاح، لكنها خلّفت وراءها- ولا تزال- أكبر مأساة إنسانية شهدها السودان في تاريخه الحديث.

أكملت حرب السودان عامها الثالث لتدخل العام الرابع بحصيلة مثقلة بالخسائر البشرية والمادية والبيئية التي ألقت بظلالها وتأثيراتها السالبة على كل جوانب الحياة العامة في السودان.

ورغم أن جزءا كبيرا من أقاليم السودان لم يكن مسرحا للعمليات القتالية، فإن تأثيرات الحرب التي دارت بصورة أساسية في العاصمة الخرطوم وولايات دارفور، وكردفان، والجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض، طالت بصور متفاوتة بقية ولايات السودان بحكم سمة الارتباط والاعتماد المتبادل بينها.

ووفقا لتقديرات أولية- يعتقد أنها أقل مما هو حادث بالفعل- فإن نحو 50 ألفا من المدنيين قتلوا منذ بداية الحرب، وجرى تشريد 22 مليونا ما بين نازحين داخليا ولاجئين بدول الجوار.

وما كان لحرب السودان أن تستطيل وتتمدد وتستعصي نارها على الإخماد لولا وجود قوى أجنبية إقليمية ودولية داعمة لمليشيا الدعم السريع وجناحها السياسي بقيادة “حمدوك”، بالتخطيط والتمويل والتسليح والدعاية.

وهي قوى لا تزال تصر على الاستمرار في تقديم الدعم بكافة أشكاله للدعم السريع؛ للإبقاء على جذوة الحرب مشتعلة رغم الخسائر الميدانية الكبيرة التي تعرضت لها المليشيا، وتقدم الجيش السوداني خاصة في محاور القتال بولايات كردفان.

ورغم تأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية، فإن الدعم اللوجيستي لا يزال يصل إلى المليشيا، عبر حدود السودان الغربية، وحدوده الشرقية مع أثيوبيا.

وهي جبهة فُتحت مؤخرا بهدف تمديد المساحة الجغرافية للحرب من ناحية الشرق، وإنهاك الجيش السوداني والقوات المساندة له، وتشتيت تركيزها القتالي؛ لتخفيف الضغط الواقع على الدعم السريع في دارفور، وكردفان.

الوحشية كانت هي السمة البارزة في سلوك مليشيا الدعم السريع، فقد مارستها بصورة أساسية وممنهجة ضد المدنيين الذين كانوا هم الهدف الرئيسي لها تحت مزاعم انتمائهم لمكونات عرقية معينة وقوى سياسية بعينها، وموالاتهم الجيش، وتلكم اتهامات كانت كافية للقتل والتعذيب حتى الموت، ونهب الممتلكات باعتبارها غنائم حرب.

فعلى سبيل المثال قامت الدعم السريع في غضون شهرين في أيام الحرب الأولى بإبادة 20 ألفا من أفراد قبيلة (المساليت)، وهم عزل في مدينة الجنينة غربي السودان على أساس عرقي، كان ثلثهم من الأطفال والمسنين والمعاقين، وقد جرى التمثيل بجثثهم.

ووفق ما وثقته المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة وتقارير وسائل الإعلام العالمية فقد ارتكبت الدعم السريع جرائم مروعة شملت إبادة جماعية، ومجازر، واغتصابا، وعنفا جنسيا، ونهبا، وتدمير البنى التحتية والأعيان المدنية والمؤسسات الصحية في كل المناطق التي دخلتها، منذ بداية الحرب، ولا تزال تمارس انتهاكاتها الوحشية في المناطق التي تسيطر عليها.

كما أن قضية المفقودين أو ما يمكن تسميتهم بـ(المختفين قسريا)، لا تزال تشغل وتؤرق بال المجتمع السوداني عامة، وأسر المفقودين خاصة، حيث يقدر عددهم بأكثر من 40 ألفا يعتقد على نطاق واسع أن معظمهم لقوا حتفهم في ظروف احتجاز في معسكرات وسجون بالغة السوء ينعدم فيها الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

وقد كشف النقاب عن موت أعداد كبيرة منهم جوعا، حيث مورست عليهم سياسة تجويع مقصودة ومتعمدة، كما كما رصدت حالات عديدة من (الاسترقاق الجنسي) لنساء وفتيات قُصر تم بيع بعضهن في عدد من دول الجوار.

كل هذه المآسي الإنسانية وقعت خلال سنوات الحرب، وهي موثقة لدى المؤسسات والمنظمات الحقوقية والإنسانية والعدلية، وتناولتها كبريات الصحف والفضائيات العالمية، وتمتلئ بها صفحات ومنصات السوشيال ميديا، ومتاحة للجميع في أنحاء العالم.

ولكن رغم ذلك فإن المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والعدلية ومنظماته المعنية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، لم تتحرك في اتجاه إدانة المسؤولين عن هذه الانتهاكات والجرائم ومرتكبيها، ومن ثم إعمال آليات المحاسبة والعقاب وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني والجنائي التي تجرم نصوصها كل هذه الانتهاكات.

يحدث هذا التجاهل وعدم الاهتمام من قبل هذه المؤسسات بالرغم من توفر كل أركان الجريمة التي تقع ضمن اختصاصات القانون الدولي الإنساني (وجود نص قانوني يجرم الفعل- سلوك إجرامي مادي ملموس يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني- توافر القصد لدى الجاني وعلمه بأن فعله يعد انتهاكا- وارتكاب هذه الأفعال في سياق نزاع مسلح وضد أشخاص أو ممتلكات محمية بموجب القانون).

كل هذه الأركان الأربعة متوفرة في الانتهاكات التي وقعت من جانب مليشيا الدعم السريع، والأشخاص مرتكبي هذه الانتهاكات موجودون ومعرفون وفرص الوصول إليهم ممكنة ومتاحة، ومعظمهم قادة عسكريون وأفراد منضوون في صفوف المليشيا.

لقد شهد العالم محاكمات بارزة وشهيرة لمجرمي حرب ابتداء من محاكمات نورنبيرغ للقادة النازيين، وطوكيو للقادة اليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية.

ومن الأمثلة الحديثة محاكمة سلوبودان ميلوسوفيتش، ورادوفان كاراديتش، ورواندا، وغيرها من القضايا التي تصدت لها أجهزة العدالة الدولية وأصدرت فيها أحكاما نهائية.

صحيح أن بعضا من المحاكمات التي تمت كانت رمزية وصورية أكثر منها عدلية قانونية، لكنها رسخت لمبدأ مهم، وهو عدم الإفلات من العقاب.

فالإفلات من العقاب- فضلا عن أنه يهدر حقوق المجني عليهم ويكافئ الجاني- فإنه يشجع الآخرين على ارتكاب المزيد من الجرائم، وبالتالي تنتفي صفة الردع التي هي من الآثار الإيجابية المتعدية والتي هي صفة أساسية في القانون.

السؤال البدَهي الذي يقفز إلى الواجهة، وهو حتى الآن بغير إجابة: لماذا يتجاهل العالم أو تحديدا المجتمع الدولي مأساة السودان والكارثة الإنسانية التي تسببت فيها مليشيا الدعم السريع وجناحها المدني، بارتكابها تلك الجرائم مكتملة الأركان والمستوفية الأوصاف والشروط القانونية؟

لماذا- والحرب قد دخلت عامها الرابع- يقف المجتمع الدولي ومؤسساته العدلية موقف المتفرج مكتوف اليدين إزاء هذه الجرائم والانتهاكات المروعة التي فاقت في وحشيتها وبشاعتها كل الجرائم والانتهاكات التي عرفها التاريخ الحديث؟

أليس من العار على المجتمع الدولي أن يلتزم الصمت المطبق غير آبه بنداءات واستغاثات الضحايا، وهم يرزحون تحت نير وقسوة وبطش وتنكيل المليشيا ولا يستجيب لهم أحد؟

هل الضمير العالمي لم يعد يشعر بالأسف ولم تهزه تلك المجازر التي ارتكبت في الفاشر (على الهواء مباشرة) وتابعها العالم على شاشات التلفزة ووثقتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، حيث رصدت صور أقمار صناعية أظهرت بقعا كبيرة من الدماء منتشرة داخل الفاشر، وما حولها، وأكواما من الجثث لمدنيين قتلوا بنيران الدعم السريع، ثم جمعت لحرقها للتخلص منها خوفا من الإدانة؟

ماذا ينتظر المجتمع الدولي لكي يتحرك لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والحضارية إزاء ما يرتكب من جرائم وانتهاكات ضد المدنيين الأبرياء في السودان؟، ولماذا يُظهر العجز وهو قادر على الفعل؟

هل العالم في ألفيته الثالثة بصدد العودة القهقرى إلى العصر الحجري وقانون الغاب، حيث البقاء للأقوى، وحيث لا قيم إنسانية ولا مساءلة ولا حساب.

المصدر | الجزيرة نت

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى