مقالات

البلاء بين الرضا والسخط… والفوز والسقوط

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليس في حياة الإنسان طريقٌ يمضي كله على نسق واحد؛ فالدنيا لا تستقر على حال، ولا تبقى لأحد صافيةً من كل كدر. يفرح الإنسان ثم يحزن، ويجد ثم يفقد، ويصحّ ثم يمرض، ويأمن ثم يخاف، وتفتح له أبوابٌ كان يظنها بعيدة، وتغلق في وجهه أبوابٌ ظنها مضمونة. وفي هذه التقلبات يقف القلب أمام السؤال الكبير: ما معنى ما يحدث؟ أهو عقوبة؟ أم تربية؟ أم رفعٌ للدرجات؟ أم تنبيهٌ رحيم؟ أم أن البلاء الواحد قد يجمع من هذه المعاني أكثر من وجه؟
والقرآن الكريم لا يترك الإنسان في حيرته، بل يضعه منذ البداية أمام حقيقة كبرى: أن هذه الحياة دار ابتلاء واختبار، لا دار جزاء كامل ولا دار راحة مطلقة. قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
فالابتلاء ليس حادثًا طارئًا خارج نظام الحياة، بل هو جزء من معنى الوجود الإنساني نفسه. ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس دائمًا: لماذا وقع البلاء؟ بل: ماذا صنع البلاء في قلبي؟ هل قرّبني من الله أم أبعدني؟ هل أيقظني أم زادني غفلة؟ هل جعلني أرحم بالناس أم أقسى عليهم؟ هل فتح لي باب التوبة والإنابة أم ساقني إلى الاعتراض واليأس؟
لقد بيّن القرآن أن المؤمن لا يُترك بمجرد الدعوى، ولا تكفي الكلمات وحدها حتى تمتحنها الوقائع. قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
فالفتنة هنا ليست شرًا محضًا، وإنما اختبار يكشف المخبوء، ويظهر حقيقة ما في الصدور. وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه بلغ مقامًا من اليقين، حتى تأتيه المحنة فتعرّفه بنفسه، وتكشف له مواضع ضعفه، وحاجته العميقة إلى الله.
وقد جعل الله صور الابتلاء كثيرة، حتى لا يظن الإنسان أن البلاء لا يكون إلا في المرض أو الفقر وحدهما. قال سبحانه:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
وتأمل هذا اللطف القرآني العجيب: ذكر الله الخوف والجوع والنقص والفقد، ثم لم يقل فقط: فاصبروا، بل قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. كأن البشارة تولد في قلب المحنة، وكأن يد الرحمة تمتد إلى العبد في اللحظة التي يظن فيها أن الدنيا قد أظلمت عليه.
وليس كل بلاء عقوبة، كما أنه لا ينبغي للعبد أن يبرئ نفسه من كل تقصير. فميزان الإيمان دقيق: لا يقسو الإنسان على نفسه حتى ييأس من رحمة الله، ولا يزكي نفسه حتى يغفل عن ذنوبه. قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾.
فهذه الآية توقظ القلب إلى أثر الذنوب، لكنها في الوقت نفسه تفتح باب الرجاء بقول الله: ﴿وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾. ولو أخذ الله الناس بكل ما كسبوا ما بقي على الأرض من دابة، كما قال سبحانه:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾.
ومن هنا كان الأدب الواجب أن يفتش الإنسان نفسه عند البلاء، لا أن يفتش ذنوب الناس. فإذا نزلت بك محنة فقل: لعل الله يريد أن يردّني إليه، أو يطهّرني، أو يرفعني، أو يعلّمني ما لم أكن أعلمه. أما إذا رأيت غيرك مبتلى، فلا تجزم أن ما أصابه عقوبة، فذلك مقام خطر، وقد يكون الذي تراه مكسورًا عند الناس مرفوعًا عند الله.

وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديث جامعة، منها قوله:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.
فالمؤمن لا تتحول حياته إلى خير لأن الوقائع كلها مريحة، بل لأن قلبه يعرف كيف يتعامل مع الوقائع. النعمة عنده باب شكر، والمحنة عنده باب صبر، وكلاهما طريق إلى الله إذا صحّ القلب.

وفي الحديث أيضًا:
«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه» متفق عليه.
وهذا الحديث من أعظم أبواب السكينة؛ لأنه يخبر المؤمن أن آلامه ليست ضائعة، وأن وجعه ليس مهملًا، وأن ما يراه الناس صغيرًا قد يكون عند الله سببًا لتكفير خطايا ورفع درجات. حتى الشوكة، وهي شيء يسير في أعين الناس، لا تضيع عند الله إذا تلقاها العبد بالصبر والاحتساب.
ولهذا كان الأنبياء، وهم أحب الخلق إلى الله، أشد الناس بلاءً. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» رواه الترمذي وغيره.

فلو كان البلاء علامة غضب مجردة، لما كان الأنبياء أكثر الناس نصيبًا منه. نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم، وإبراهيم عليه السلام ابتُلي بالنار والهجرة والأمر بذبح ولده، ويعقوب عليه السلام ذاق مرارة الفقد حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ويوسف عليه السلام انتقل من الجب إلى الرق إلى السجن، وأيوب عليه السلام صار مضرب المثل في الصبر على المرض، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أوذي، وحوصر، وطُرد، وفقد الأحبة، وقاتله قومه، ومع ذلك كان أكمل الناس عبوديةً لله.

فالبلاء إذن ليس دائمًا علامة هوان، بل قد يكون علامة عناية، وقد يكون طريق إعداد وتمحيص. قال تعالى في شأن المؤمنين بعد أحد:
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
والتمحيص هو التنقية والتخليص، كما تُعرض المعادن على النار فيذهب الخبث ويبقى الجوهر. فالناس في الرخاء يتشابهون، فإذا جاءت الشدة بان ما كان مستورًا في القلوب، وظهر الصادق من المدّعي، والصابر من الجازع، والراضي من الساخط.

لكن هذا لا يعني أن يطلب الإنسان البلاء، أو يتمنى المرض والفقر والحزن. فالهدي النبوي أن يسأل العبد ربَّه العافية. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«سلوا الله العفو والعافية» رواه الترمذي وغيره.
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
«اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة».
فالمؤمن لا يطلب البلاء، لكنه إذا نزل به لم ينهزم، ولم يظن بربه سوءًا، ولم يجعل ألمه بابًا للاعتراض، بل يجعله بابًا للرجوع والافتقار.

وأول ما يحتاجه المؤمن عند البلاء حسن الظن بالله. فإن القلب إذا امتلأ بسوء الظن، رأى كل محنة طردًا، وكل تأخير حرمانًا، وكل فقد إهانة. أما إذا امتلأ بحسن الظن، علم أن الله أرحم به من نفسه، وأن تدبير الله أوسع من فهمه، وأن ما حجبه الله عنه قد يكون رحمة، وما ساقه إليه من ألم قد يكون دواءً مرًّا يخرجه من مرض خفيّ.
قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي» متفق عليه.
وحسن الظن لا يعني الغفلة عن الذنب، بل يعني ألا ييأس العبد من رحمة الله وهو يراجع نفسه. فيقول: يا رب، إن كان هذا البلاء بسبب ذنوبي فاغفر لي، وإن كان رفعةً لي فأعني على الصبر، وإن كان تنبيهًا فاجعلني أفهم رسالتك، وإن كان امتحانًا فثبّت قلبي حتى لا أسقط.

ثم يحتاج المؤمن إلى الصبر الجميل. والصبر الجميل ليس ادعاء أن القلب لا يتألم، ولا أن العين لا تدمع، ولا أن النفس لا تضيق؛ فليس الصبر تحجرًا، وإنما الصبر ألا يتحول الحزن إلى اعتراض على الله، وألا تتحول الدموع إلى سخط، وألا يجعل الإنسان وجعه سببًا لقطع صلته بربه. قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾.
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ومن أشد أبواب البلاء وقعًا على القلب فقدُ قريبٍ حبيب؛ ولدًا كان أو والدًا، أخًا أو أختًا، زوجًا أو صاحبًا عزيزًا. فالموت حين يأخذ من نحب لا يأخذ شخصًا من حولنا فحسب، بل يهزّ في داخلنا عالمًا كاملًا من الذكريات والأنس والاعتياد والرجاء. وهنا يظهر الصبر في صورته العميقة؛ فليس المطلوب من الإنسان أن يكون حجرًا لا يحزن، ولا قلبًا جامدًا لا يتوجع، وإنما المطلوب أن يبقى الحزن داخل حدود العبودية، وأن تقف الدمعة عند باب الرضا، وأن يقول القلب قبل اللسان: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

فقولنا: «إنا لله» يعلّمنا أن من نحب لم يكن ملكًا لنا على الحقيقة، بل كان أمانةً عندنا أكرمنا الله بصحبته زمنًا، ثم استردّ المالكُ أمانته. وقولنا: «وإنا إليه راجعون» يفتح باب الرجاء، ويذكّرنا أن الفراق ليس نهاية الوجود، وأن لقاء المؤمنين في رحمة الله أوسع من حدود الدنيا الضيقة. ومن هنا فالصبر على موت الحبيب ليس نسيانًا له، ولا قسوةً عليه، ولا إنكارًا لمكانته في القلب، بل هو وفاءٌ له بالدعاء، والاستغفار، والصدقة، وصلة من كان يحبهم، وحفظ معاني الخير التي تركها فينا.
وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الميزان الرفيع عند الفقد، فقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» متفق عليه.

فجمع صلى الله عليه وسلم بين كمال الرحمة البشرية وكمال الأدب مع الله؛ حزنٌ بلا سخط، ودمعٌ بلا اعتراض، وفقدٌ لا يقطع العبد عن ربه، بل يرده إليه أشد افتقارًا وتسليمًا. ومن أدرك أن الدنيا دار ممرّ لا دار مقام، وأن الموت انتقال لا عدم، وأن الله أرحم بالميت من أهله، سكن قلبه وإن بقيت دموعه، ورضي بقضاء ربه وإن ظلّ الشوق موجعًا. وهكذا يتحول الفقد، على قسوته، إلى باب من أبواب الإيمان؛ يذكّرنا بقصر الدنيا، ويوقظ فينا الاستعداد للآخرة، ويعلّمنا أن أحب الناس إلينا لا نملك لهم ولا لأنفسنا إلا رحمة الله، وأن أصدق ما نقدمه لهم بعد رحيلهم أن ندعو لهم، ونمضي نحن على طريق الطاعة حتى يجمع الله أهل الإيمان في مستقر رحمته.
ومن أعظم ما يعين على الصبر أن يتذكر الإنسان محدودية علمه. فقد يبكي اليوم على باب أغلقه الله، ثم يعلم بعد سنوات أن الخير كان في إغلاقه. وقد يحزن على أمر فاته، ثم يكتشف أن فواته أنقذه من ضرر أعظم.

قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وهذه الآية مدرسة كاملة في تهذيب النظر إلى الأقدار؛ فالإنسان لا يرى إلا زاوية ضيقة، والله يرى المشهد كله: البداية والنهاية، والظاهر والباطن، وما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. ولذلك قال بعض الحكماء: “ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك”. فقد تكون العطية استدراجًا إذا أورثت الغفلة، وقد يكون المنع رحمة إذا ردّ القلب إلى الله.

ومن لطائف البلاء أنه يكشف للإنسان حقيقة ضعفه. فما أكثر ما يغتر الإنسان بقوته وصحته وماله وذكائه وعلاقاته، حتى تأتيه محنة لا تدفعها قوته، ولا تحلها حيلته، ولا تشتري النجاة منها أمواله، فيعلم أنه عبد فقير، وأن قوته مستعارة، وأن عافيته نعمة، وأن قلبه لا يسكن إلا إذا تعلق بالله.

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وهذا الفقر إلى الله ليس عيبًا، بل هو حقيقة العبودية وجمالها. وكلما ازداد العبد معرفةً بضعفه، ازداد صدقًا في توكله، وكلما انكسر بين يدي الله، جبره الله جبرًا لا يقدر عليه الخلق.

ومن هنا نفهم قول الله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقد روي عن علقمة في تفسيرها أنه قال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلّم. فالهداية هنا ليست مجرد معرفة نظرية، بل هداية قلب وسط العاصفة؛ قلب لا يتبدد، ولا يتمزق، ولا يفقد بوصلته.
ومع ذلك فإن البلاء قد يكون خطيرًا إذا قاد صاحبه إلى القسوة. فالشدائد لا تصنع النور في كل النفوس تلقائيًا؛ هناك من تزيده المحنة قربًا، وهناك من تزيده بعدًا. وهناك من يخرج من البلاء أرحم وأصدق وأنقى، وهناك من يخرج أشد مرارة وحقدًا واعتراضًا.

قال تعالى:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
فالخير نفسه ابتلاء، كما أن الشر ابتلاء. قد يبتلى الإنسان بالمال كما يبتلى بالفقر، وبالصحة كما يبتلى بالمرض، وبالجاه كما يبتلى بالضعف. وربما كان ابتلاء النعمة أخفى وأشد، لأن كثيرًا من الناس ينتبهون عند المصيبة، لكنهم يغفلون عند السعة. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في معنى بليغ: “ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر”.

ومن أعظم ما يحفظ القلب في البلاء دوام الصلة بالقرآن. فالقرآن لا يكتفي بأن يأمر الإنسان بالصبر، بل يصحبه في طريق الصبر بقصص الأنبياء، وبوعود الفرج، وبآيات الرحمة، وبالكشف عن سنن الله في الحياة. ففي قصة يوسف عليه السلام نرى كيف يمكن للجبّ والسجن والظلم أن تكون مقدمات لتمكين عظيم.

وفي قصة موسى عليه السلام نرى البحر أمامه والعدو خلفه، حتى قال أصحابه:
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
فقال بقلب الواثق بربه:
﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فانشق البحر في اللحظة التي بلغ فيها الخوف غايته. وهكذا يعلمنا القرآن أن الفرج قد يولد عند أقرب نقطة من اليأس، وأن الله لا يعجزه باب مغلق، ولا بحر هائج، ولا عدو متربص.

وفي قصة أيوب عليه السلام درس آخر؛ فقد طال البلاء، واشتد المرض، وقلّ الناصر، لكنه نادى ربه بأدب عجيب:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
لم يعترض، ولم يسئ الأدب، بل وصف حاله، وأثنى على ربه. فجاء الجواب:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾.
ومن تمام الفهم ألا يحبس الإنسان معنى البلاء في نفسه وحدها، بل ينظر أيضًا إلى أثره في علاقته بالناس. فمن ذاق الألم ينبغي أن يكون أرحم بالموجوعين، ومن عرف معنى الانكسار ينبغي أن يكون ألين مع المنكسرين، ومن مرّ بضيق ينبغي أن يخفف عن غيره. فإذا خرج الإنسان من البلاء بقلب أقسى ولسان أغلظ وظن أسوأ، فليخشَ أن يكون قد خسر درس المحنة.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من لا يَرحم لا يُرحم» متفق عليه.
فالرحمة ثمرة عظيمة من ثمار البلاء إذا صحّ القلب؛ لأن الإنسان بعد الألم يعرف ضعف الإنسان، ويعلم أن الخلق كلهم محتاجون إلى لطف الله.

وفي النهاية، ليس المطلوب من المؤمن أن يصدر حكمًا قطعيًا في كل مصيبة: هذه عقوبة، وهذه رفعة، وهذه تمحيص، وهذه تنبيه؛ فقد يجتمع في البلاء الواحد أكثر من معنى، وقد يجهل العبد وجه الحكمة حتى يلقى الله. إنما المطلوب أن يحسن العبور: أن يرجع، ويتوب، ويصبر، ويدعو، ويحسن الظن، ويأخذ بالأسباب، ولا يترك قلبه للشيطان يعبث به عند الوجع.

فإن جعلتْك المحنة أكثر صلاةً ودعاءً، فهي باب خير. وإن جعلتْك أكثر تواضعًا وانكسارًا لله، فهي باب خير. وإن جعلتْك أرحم بالناس، فهي باب خير. وإن كشفت لك ذنبًا فتبت منه، فهي باب خير. وإن نزعت من قلبك تعلقًا فاسدًا بغير الله، فهي باب خير. وإن علمتك أن الدنيا لا تستحق كل هذا الاغترار، فهي باب خير. أما الخسارة الحقيقية فهي أن يخرج الإنسان من البلاء كما دخل، أو يخرج منه ساخطًا، قاسيًا، بعيدًا عن الله.

قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
غير أن هذا اليسر لا ينبغي أن يُفهم دائمًا على أنه رفعٌ كامل للبلاء في الدنيا، أو ردٌّ لكل مفقود، أو حجبٌ للموت، أو إعادةٌ لما مضى كما كان. فقد يبقى المرض، وقد يستمر الفقد، وقد يمضي الحبيب إلى ربه ولا يعود إلى الدنيا، وقد لا يتغير ظاهر البلاء بالصورة التي تتمناها النفس. ولكن اليسر قد يأتي في صورة أخرى أعمق وأبقى: سكينةٍ في القلب، ورضا بعد اضطراب، وثبات بعد وجع، ودعاء لا يضيع، وأجر لا يُحصى، ويقين بأن الله أرحم بالعبد من نفسه وأهله، ورجاء لقاء في دار لا فراق بعدها.

فليس الفرج دائمًا أن يتبدل ظاهر القدر، بل قد يكون الفرج أن يتبدل القلب داخله؛ أن يرى بنور الإيمان ما لم يكن يراه بعين الجزع، وأن يعلم أن ما لم يُجبر في الدنيا جبره الله في الآخرة، حيث الرحمة الأكمل، والعدل الأتم، واللقاء الأبقى. وهنا يظهر معنى الصبر العظيم: أن يبقى العبد مؤمنًا بربه، محسنًا ظنه به، موقنًا أن دموعه معلومة، وأن صبره محفوظ، وأن وجعه ليس ضائعًا، وأن ما عند الله خير وأبقى.

فطوبى لمن قرأ البلاء بعين الإيمان، لا بعين اليأس. وطوبى لمن جعل ألمه سلّمًا إلى الله، لا جدارًا يحجبه عنه. وطوبى لمن إذا ضاقت به الأرض، اتسع قلبه باليقين، وقال كما قال أهل الإيمان:
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
فما دام العبد مع الله، فليس في الطريق ظلمة بلا معنى، ولا دمعة تضيع عند الله، ولا صبر بلا أجر، ولا انكسار بلا باب إلى الرحمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى