مقالات

الخرطوم تتعافى… والإعلام شريك في صناعة العودة

هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

رغم قسوة الحرب وما خلّفته من ندوبٍ عميقة في الجسد السوداني، تظلّ الخرطوم مدينةً تعرف كيف تنهض من بين الركام؛ مدينة لا تستسلم، بل تعيد ترتيب نبضها كلما حاول الألم أن يطغى على ملامحها. اليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة، تبدو ملامح التعافي واضحة، ليس فقط في الطرقات والمرافق، بل في الروح العامة التي بدأت تستعيد ثقتها بالحياة.

أكد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن التحدي الأكبر خلال فترة الحرب كان تحقيق الأمن والاستقرار، وهو ما تحقق رغم التعقيدات. لم يكن الأمر سهلاً، لكن الإرادة كانت أقوى من كل الظروف. واليوم، تدخل الولاية مرحلة مختلفة، عنوانها تطبيع الحياة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتهيئة البيئة لعودة المواطنين الذين اضطروا لمغادرتها قسراً.

وفي إطار هذا التحول، نظّمت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، بالتعاون مع مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام، برنامج “تواصل مع المبدعين”، كجزء من جهود معالجة آثار الحرب وإعادة بناء الوعي المجتمعي. وقد حشد البرنامج طيفاً واسعاً من الصحفيين والإعلاميين والشعراء والدراميين والمسرحيين والفنانين، في مشهد يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية القوة الناعمة في مرحلة ما بعد النزاعات.

وشهد الفعالية حضور الوالي، إلى جانب وزير الثقافة والإعلام والسياحة الطيب سعد الدين، وعدد من القيادات، حيث تم التأكيد على أن المبدعين كانوا جزءاً أصيلاً من معركة الكرامة، وأسهموا بجهودهم في تشكيل الوعي العام، ومساندة المجتمع في أحلك الظروف.

غير أن اللافت في هذه المرحلة، هو ذلك الدور الكبير الذي لعبه الإعلاميون والدراميون والفنانون، إلى جانب الصحفيين والتشكيليين، في معركة الوعي. لم تكن الحرب فقط في الميدان، بل كانت أيضاً في الكلمة والصورة. هؤلاء حملوا على عاتقهم مسؤولية نقل الحقيقة، وكشف الشائعات، وبث الأمل في نفوس الناس، حتى أصبحوا شركاء حقيقيين في صناعة العودة.

لقد أسهمت جهودهم في تفنيد كثير من الروايات المغلوطة التي رُوّجت، مثل شائعات المجاعة وانعدام الأمن، وعكسوا صورةً أقرب إلى الواقع لما يجري داخل الخرطوم، رغم صعوبة الظروف. وكان لذلك أثر مباشر في تشجيع عدد من المواطنين على التفكير في العودة، بعد أن اطمأنوا نسبياً على مجريات الأوضاع

.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدعم الذي قدّمته مؤسسات الدولة، إلى جانب المبادرات المجتمعية، وعلى رأسها “التكايا”، التي لعبت دوراً إنسانياً بارزاً في تخفيف معاناة المواطنين وتعزيز صمودهم خلال فترة الحرب.
إن التعافي لا يكتمل دون عدالة، وهنا تتجلى أهمية التأكيد على سيادة القانون، بحيث يكون الفيصل في معالجة الانتهاكات، بعيداً عن الفوضى أو ما يُعرف بـ“قانون الغاب”. فترسيخ العدالة، وصون الحقوق، يمثلان حجر الأساس لأي استقرار مستدام في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي موازاة ذلك، تتواصل جهود منظمات المجتمع المدني في وضع ترتيبات عملية لمرحلة التعافي، عبر برامج تستهدف قطاعات الصحة والتعليم والبيئة، إلى جانب العمل على تشجيع العودة الطوعية من دول مثل مصر ويوغندا، رغم محدودية الموارد.

كما برزت دعوات من داخل الوسط الثقافي بضرورة استعادة النشاط في الأندية والمنابر الثقافية، باعتبارها جزءاً من استعادة الحياة الطبيعية، ودورها في تعزيز التماسك الاجتماعي. وأكد الدراميون والفنانون استعدادهم الكامل للمساهمة في إعادة البناء، ليس فقط عبر أعمالهم، بل من خلال الانخراط المباشر في قضايا المجتمع.

إن الخرطوم اليوم ليست كما كانت بالأمس، لكنها أيضاً ليست مدينة مكسورة. هي مدينة في طور التعافي، تستعيد عافيتها تدريجياً، وتعيد تشكيل ذاتها بإرادة أبنائها.
هي دعوة مفتوحة لكل من غادر: عودوا إلى الخرطوم… فالحياة بدأت تعود، والأمل لم ينطفئ، والوطن ينتظر سواعد أبنائه ليُكتب فصلٌ جديد من تاريخه، عنوانه: النهضة بعد الألم.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى