مقالات

البيئة التي تصنع النهضة… من درس الصين إلى واجب السودان

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

بمناسبة مرور أكثر من مائة عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، تعود تجربة الصين إلى واجهة التأمل، لا بوصفها نموذجًا يُستنسخ، ولا بوصفها تجربة مبرأة من الأخطاء والمظالم، وإنما بوصفها واحدة من أكبر التحولات التي عرفها العالم الحديث. فقد انتقلت الصين، خلال قرن مضطرب، من الفقر والتمزق والتخلف والصراعات الداخلية إلى موقع متقدم بين الأمم، حتى صارت قوة صناعية وتجارية وتقنية يحسب لها العالم حسابًا. والعبرة هنا ليست في الحزب من حيث هو حزب، ولا في الأيديولوجيا من حيث هي أيديولوجيا، وإنما في السؤال الأعمق: كيف استطاعت أمة كانت في مؤخرة الركب أن تعيد بناء نفسها وتتحول إلى قوة كبرى؟

غير أن الإنصاف يقتضي أن نقول من البداية إن تجربة الصين لم تكن طريقًا مستقيمًا من النجاح المحض، بل مرت بتجارب كثيرة خاطئة وقاسية وظالمة، دفعت فيها قطاعات واسعة من الشعب أثمانًا باهظة. كما أن الصين اليوم، رغم ما بلغته من تطور تقني وصناعي هائل، لا تزال تتلبسها إشكالات كبرى، منها التضييق على الحريات، وهيمنة الدولة الشديدة على المجال العام، وما يثار من مظالم واقعة على بعض فئات الشعب، وفي مقدمتها الإيغور. لذلك فالمطلوب منا ليس تمجيد التجربة ولا نقلها كما هي، بل قراءة سنن

النهوض فيها، وتجاوز أخطائها ومظالمها، وصياغة نموذج أصلح وأعدل، يستفيد من قوتها في الإدارة والعمل والإنتاج، ويستنير بما في ديننا من عدل ورحمة وكرامة وحرية مسؤولة، حتى يكون مثال نهضتنا أرقى في الدنيا والآخرة، بحسب إيماننا وعقيدتنا.
إن الدرس الأهم في التجارب الكبرى ليس أن نستنسخ نموذجًا سياسيًا أو فكريًا بعينه، فلكل أمة دينها وتاريخها وخصوصيتها وقيمها وواقعها، وإنما أن نفهم القانون العام الذي لا تنهض أمة من دونه، وهو إصلاح البيئة العامة التي يتحرك فيها الإنسان. فالإنسان لا ينتج في الفوضى كما ينتج

في النظام، ولا يبدع في ظل الفساد كما يبدع في ظل العدالة، ولا يستثمر في الغموض كما يستثمر في الشفافية، ولا يثق في الدولة حين يرى القانون انتقائيًا، والفرص مغلقة، والقرارات خاضعة للمزاج أو المصالح الضيقة.
لقد كان من أكبر أركان نهضة الصين أنها لم تكتف بإطلاق الأمنيات، ولم تراهن على الخطاب وحده، بل اشتغلت على بناء بيئة منظمة للعمل والإنتاج والتعليم والانضباط. توسعت في البنية التحتية، وفتحت أبواب الاقتصاد وفق رؤية عملية، وربطت التخطيط بالتنفيذ، وحاربت الفقر لا بالعاطفة المجردة، بل بالطرق والمصانع والتدريب والتصدير والإدارة

الصارمة وتوسيع قاعدة الإنتاج. ولم تكن المعجزة في كثرة السكان وحدها، فكم من أمة كثيرة العدد ظلت فقيرة وعاجزة، وإنما في تحويل هذا العدد إلى طاقة منظمة داخل بيئة تدفع إلى العمل وتكافئ الإنتاج وتربط الفرد بالمشروع العام.
وهنا ينبغي أن نقرأ حاجتنا السودانية قراءة صريحة. فالسودان لا تنقصه الأرض، ولا الماء، ولا الثروة الحيوانية، ولا المعادن، ولا الموقع، ولا الإنسان الذكي الصبور، وإنما تنقصه البيئة العامة التي تجعل هذه الخيرات تتحول إلى قوة حقيقية. تنقصه الحوكمة التي تجعل القرار واضحًا، والمسؤولية محددة، والمساءلة حاضرة. وتنقصه الرقمنة

التي تغلق أبواب الفساد والتلاعب والجبايات العشوائية، وتكشف حركة المال والسلع والخدمات. وينقصه اقتصاد محرر شفاف، لا يقوم على تعدد أسعار الصرف، ولا على الامتيازات المغلقة، ولا على الاحتكار، ولا على الرخص التي تمنح بغير منافسة عادلة، وإنما يقوم على حرية الإنتاج والتجارة والاستثمار تحت سلطان قانون عادل وصارم.
إن إصلاح البيئة العامة ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو أصل النهضة ومفتاحها الأكبر. فقبل أن نسأل: من يستثمر في السودان؟ ينبغي أن نسأل: في أي بيئة سيستثمر؟ وقبل أن نسأل: كيف نزيد الصادرات؟ ينبغي أن نسأل: هل طرقنا

وموانئنا وجماركنا ومصارفنا وسعر صرفنا ونظامنا الضريبي تساعد المنتج أم تعاقبه؟ وقبل أن نسأل: كيف نحارب الفساد؟ ينبغي أن نسأل: هل تركنا للفساد منافذ ورقية، وموافقات شخصية، وتقديرات مزاجية، ودوائر مغلقة؟ وقبل أن نلوم المواطن على ضعف الإنتاج، ينبغي أن ننظر إلى البيئة التي جعلت المنتج يتعب ولا يكسب، والمضارب يكسب ولا ينتج، والملتزم بالقانون يعاني، والمتحايل يجد الطريق الأسهل.

غير أن السودان، وهو يستفيد من دروس الأمم الناهضة، لا يحتاج أن يفقد روحه، ولا أن يستبدل هويته، ولا أن يظن أن طريق التقدم يمر عبر القطيعة مع قيمه. بل إن ما نملكه من قيم الإسلام، لو أحسنا فهمه وتنزيله في الحياة العامة لا في الوعظ المجرد وحده، يمكن أن يجعلنا نحقق نهضة أعمق وأجمل؛ نهضة تجمع بين التطور المادي والسمو الروحي، بين قوة السوق وعدالة الضمير، بين كفاءة الإدارة ورحمة المجتمع، بين العلم والإيمان، وبين العمران الخارجي والسلام الداخلي.

فالقيم الإسلامية ليست عائقًا أمام النهضة، بل هي من أعظم روافعها إذا فُهمت على وجهها الصحيح. الإسلام يدعو إلى العمل والإتقان، والوفاء بالعقود، والصدق في المعاملة، وتحريم الغش والرشوة والظلم وأكل أموال الناس بالباطل. كما يقرر كرامة الإنسان، وحرمة دمه وماله وعرضه، ويرفض الظلم ولو وقع على المخالف، ويقيم العدل معيارًا لا يتجزأ. ومن هنا فنحن لا نحتاج إلى نموذج يصنع المصانع ويكبت الإنسان، ولا إلى تنمية ترفع البنيان وتخفض الكرامة، بل إلى نهضة تجعل القوة في خدمة العدل، وتجعل الدولة قادرة بلا طغيان، والسوق حرًا بلا افتراس، والمجتمع متدينًا بلا جمود ولا ظلم.

وهذه ليست قيمًا روحية معلقة في الهواء، بل قواعد اقتصادية واجتماعية ذات أثر مباشر. فكلما زاد الصدق قلت تكلفة الرقابة، وكلما قويت الأمانة زادت الثقة، وكلما استقرت الأسرة استقر الإنسان، وكلما شاع التكافل خفت أعباء الدولة، وكلما انحسر الإدمان والميسر واللهو المدمر زادت طاقة العمل والإنتاج، وانخفضت كلفة العلاج والجريمة والتفكك. ومن هنا فإن السمو الروحي ليس ترفًا منفصلًا عن التنمية، بل له مردود مادي مباشر.

فمجتمع يقل فيه شرب الخمر والمخدرات والتبغ، تقل فيه الأمراض المرتبطة بها، وتقل فيه الحوادث والنزاعات وفقدان ساعات العمل، وتتحسن فيه صحة الأسرة وقدرة الشباب على الإنتاج. ومجتمع ينحسر فيه الميسر، تقل فيه البيوت المنهارة بسبب الديون والوهم والطمع، وتتحول الأموال من الاستنزاف العبثي إلى الادخار والاستثمار والتعليم. ومجتمع تتماسك فيه الأسرة، يقل فيه التشرد والضياع والعنف، وتزداد فيه التربية والمسؤولية والاستقرار

النفسي. ومجتمع يشيع فيه التكافل، لا يترك الضعيف يسقط حتى يتحول إلى عبء أمني واجتماعي، بل يسنده قبل أن تنكسر حياته. وهذه كلها ليست مواعظ على هامش الاقتصاد، بل هي في صميم الاقتصاد الحقيقي؛ لأن الإنسان هو أصل الإنتاج، فإذا صلح الإنسان وصلحت بيئته تحولت الموارد إلى نهضة، وإذا فسد الإنسان وفسدت بيئته تحولت الثروات إلى لعنة وصراع.

ولذلك فإن مشروع النهضة في السودان لا ينبغي أن يكون مشروع طرق وجسور وموانئ وكهرباء فقط، على عظمتها وضرورتها، بل ينبغي أن يبدأ بالبنية التحتية العظمى: بنية القانون والحوكمة والرقمنة والشفافية، وسعر الصرف الحر الشفاف، وحرية الاستثمار، والمنافسة المفتوحة، والتعليم المنتج، والقيم الحية. فهذه هي البيئة التي تجعل الطريق طريقًا للتجارة لا للجباية، وتجعل الميناء منفذًا للصادرات لا عنق زجاجة، وتجعل البنك جسرًا للتمويل لا مخزنًا للعجز، وتجعل الموظف العام خادمًا للنظام لا مالكًا للقرار، وتجعل المستثمر شريكًا في التنمية لا طالب إذن عند الأبواب المغلقة.

إن التجارب الكبرى تعلمنا أن الأمم لا تنهض بالشكوى، ولا بالحنين، ولا بالخطابات العامة، وإنما تنهض حين تمتلك قيادة تعرف ماذا تريد، ومؤسسات تعرف كيف تنفذ، وشعبًا يرى أثر الإصلاح في حياته اليومية. وليس مطلوبًا من السودان أن يكون نسخة من الصين أو غيرها، بل المطلوب أن يأخذ من تجارب الأمم قانون النهضة العام: أن البيئة هي التي تصنع السلوك، وأن النظام هو الذي يفتح طاقة الإنسان، وأن الدولة التي تضبط نفسها أولًا تستطيع أن تضبط السوق، وأن السوق حين يتحرر من الفساد والاحتكار يصبح أداة إنتاج لا أداة افتراس.

والأمل في السودان لا يزال قائمًا، بل إن السودان يملك من عناصر القوة ما لو وُضع في بيئة صحيحة لأدهش العالم. لكنه يحتاج إلى قرار كبير لا يكتفي بترميم السطح، بل يذهب إلى الجذر: تحرير اقتصادي شامل، وحوكمة عامة صارمة، ورقمنة متكاملة، وعدالة في الفرص، ومنافسة مفتوحة، وتعليم مرتبط بالإنتاج، وإحياء للقيم التي تبني الإنسان قبل أن تبني الجدران. عندها فقط نستطيع أن نجمع بين ما حققته الأمم الناهضة من قوة مادية، وما يملكه الإسلام من طاقة روحية وأخلاقية، فنصنع نهضة لا تزيد

المال وحده، بل تزيد الإنسان طمأنينة وكرامة وعملًا وخلقًا.
وليس هذا حلمًا بعيدًا إذا صدقت الإرادة. فالأمم التي نهضت لم تكن تملك ملائكة يديرون مؤسساتها، ولا شعوبًا بلا أخطاء، ولا موارد بلا حدود، وإنما امتلكت لحظة قرار، ورؤية واضحة، ونظامًا يحاسب، وبيئة تكافئ العمل وتضيق على الفساد. والسودان، بما فيه من دين حي، وأرض واسعة، وموارد ضخمة، وإنسان قادر على الصبر والإبداع، يستطيع أن يفعل أفضل مما فعل غيره إذا جمع بين إصلاح الدولة وإصلاح السوق وإصلاح الإنسان؛ لا بالمواعظ وحدها، ولا بالقوانين وحدها، بل بمنظومة كاملة تجعل القيم قوة عمل، وتجعل الإدارة أداة عدل، وتجعل الاقتصاد طريقًا إلى الكرامة لا بابًا جديدًا للظلم.

فالنهضة ليست أن نملك مصانع بلا ضمير، ولا أبراجًا بلا أسر مستقرة، ولا طرقًا بلا عدالة، ولا مالًا بلا أمانة، ولا تقنية بلا حرية وكرامة، وإنما النهضة الحقّة أن نبني دولة قوية عادلة، واقتصادًا منتجًا، ومجتمعًا متماسكًا، وإنسانًا عاملًا مطمئنًا، يعرف أن رزقه لا يأتي من الفوضى، وأن كرامته لا تصان إلا بالقانون، وأن دينه لا يدعوه إلى الانسحاب من الدنيا، بل إلى عمارتها بالحق والإتقان والعدل. هذه هي النهضة التي نحتاجها، وهذه هي البيئة التي إن صنعناها صنعتنا.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى