مقالات

إشتياق الكناني تكتب | حين يتأخر المطر.. لا تتأخر رحمة الله

في ولايات متفرقة من السودان، تتعالى الدعوات لإقامة صلاة الاستسقاء، بعد أن شهدت مناطق عديدة تراجعًا في معدلات هطول الأمطار وتأخرًا في انتظام موسم الخريف، الذي يمثل بالنسبة للسودانيين أكثر من مجرد فصل من فصول السنة؛ فهو موسم ترتبط به الأرض والزراعة والمراعي ومصادر المياه، كما تتعلق به آمال ملايين الأسر التي تنتظر السماء لتبدأ دورة جديدة من الحياة.

حج 1448.. ضوابط جديدة ومنصة رقمية للحجاج السودانيينوفي السودان، لا ينظر الناس إلى الخريف باعتباره موسمًا للأمطار فحسب، بل يرونه موسمًا تتنفس فيه الأرض بعد أشهر طويلة من الجفاف والحرارة. فمع أولى بشائر المطر، تتحول مساحات واسعة من الأراضي إلى حقول تستعد لاستقبال البذور، وتتحرك أيادي المزارعين لبدء أعمال الزراعة، بينما تنتعش المراعي وتجد الثروة الحيوانية ما تحتاج إليه من مياه وأعلاف.

لكن تأخر الأمطار أو ضعف معدلاتها يضع المزارعين أمام تحديات كبيرة، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها السودان بسبب الحرب. فقد أصبحت الزراعة نفسها تواجه عقبات متعددة، تبدأ من صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، ولا تنتهي عند ارتفاع أسعار التقاوى والأسمدة والوقود ومدخلات الإنتاج، فضلًا عن تراجع القدرة على توفير التمويل والخدمات الزراعية في العديد من المناطق.

وكانت الهيئة العامة للأرصاد الجوية قد أطلقت في وقت سابق توقعات وتحذيرات بشأن طبيعة الموسم المطري، وسط مخاوف من تفاوت معدلات الأمطار بين المناطق واحتمال تعرض بعض الولايات لفترات من الندرة المطرية. ومثل هذه التوقعات تكتسب أهمية خاصة في بلد يعتمد جزء كبير من اقتصاده وأمنه الغذائي على الزراعة المطرية.

فالزراعة في السودان ليست نشاطًا اقتصاديًا محدودًا، وإنما تمثل مصدرًا أساسيًا للغذاء والدخل بالنسبة لقطاعات واسعة من المواطنين. ولذلك فإن أي اضطراب في الموسم المطري يمكن أن ينعكس على حياة الأسر، وأسعار المواد الغذائية، وتوفر الأعلاف، وحركة الأسواق، بل وعلى قدرة المجتمعات الريفية على الصمود في مواجهة الظروف الصعبة.

وفي المقابل، تظل قضايا المياه في منطقة حوض النيل حاضرة في النقاشات الإقليمية، وفي مقدمتها قضية سد النهضة الإثيوبي والعلاقات المائية بين إثيوبيا والسودان ومصر. غير أن تأخر الأمطار في السودان يرتبط بصورة أساسية بالعوامل المناخية والأنماط الجوية المتغيرة، ولا ينبغي اختزال ظاهرة الأمطار أو تفسيرها بعامل واحد دون الاستناد إلى بيانات علمية دقيقة.

وبعيدًا عن الحسابات السياسية والتفسيرات المختلفة، يقف المواطن السوداني اليوم أمام السماء منتظرًا المطر. المزارع ينظر إلى أرضه، والرعاة يتابعون حالة المراعي، والأسر تترقب تحسن الأوضاع، بينما تتجه القلوب إلى الله بالدعاء أن يأتي الغيث في وقته، وأن تحمل السحب القادمة الخير للأرض والإنسان.

وتأتي صلاة الاستسقاء في هذا السياق بوصفها تعبيرًا عن حالة روحية وإنسانية يعيشها المجتمع، حيث يلجأ الناس إلى الدعاء والتضرع عندما تشتد الحاجة إلى الماء. وهي في الوقت ذاته تعكس حجم ارتباط السودانيين بالأرض والمطر، وحجم الأمل الذي يضعونه في موسم الخريف كل عام.

ورغم أن تأخر الخريف يثير القلق، فإن الأمل لا ينبغي أن يغيب. فالطقس قد يتغير، والسحب قد تتأخر، ومواسم المطر قد تختلف من عام إلى آخر، لكن قدرة الإنسان على التكيف والعمل تبقى حاضرة. كما أن السودان يمتلك مساحات زراعية واسعة وإمكانات كبيرة يمكن أن تساعده على استعادة دوره الزراعي متى ما توفرت الظروف المناسبة والاستقرار والدعم للمزارعين.

لقد أنهكت الحرب الإنسان والأرض معًا، وأصبحت الحاجة إلى موسم زراعي جيد أكبر من أي وقت مضى. فالمطر بالنسبة لكثير من السودانيين ليس مجرد ظاهرة طبيعية، وإنما بداية لأمل جديد، ومصدر رزق، وغذاء، ومياه، وحياة.

وفي انتظار الغيث، تظل العيون معلقة بالسماء، والأيدي مرفوعة بالدعاء، والقلوب متمسكة بالأمل. قد يتأخر المطر، وقد تطول أيام الانتظار، لكن الإنسان السوداني اعتاد أن يصنع من الصعوبات مساحة للصبر، ومن الأزمات نافذة للأمل.

ومهما طال الانتظار، تبقى الحقيقة التي يرددها الناس في بساطة وإيمان: قد يتأخر المطر، لكن رحمة الله لا تتأخر.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى