مقالات

النز في عطبرة… إنذارٌ من تحت الأرض لمدن السودان (2 من 2): من المعالجة الإسعافية إلى الحل الوطني

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

إذا كانت الحلقة الأولى قد وقفت عند وصف ظاهرة النز في عطبرة وخطورتها الصحية والبيئية والعمرانية، فإن هذه الحلقة تتجه إلى السؤال العملي الأهم: ماذا نفعل؟ فالمشكلة، كما تبدو من الشواهد والمعلومات المتاحة، ليست مجرد ماء ظهر في حفرة، ولا رطوبة عابرة في حي من الأحياء، بل هي خلل متراكم في إدارة الصرف والمياه والتربة والعمران، يحتاج إلى معالجة علمية لا إلى ردود فعل متأخرة، وإلى عمل إسعافي فوري لا ينتظر اكتمال المشروع الكبير، ثم إلى حل جذري دائم لا يكتفي بترحيل المشكلة من مكان إلى آخر.

والعلاج الصحيح لهذه الظاهرة ينبغي أن يقوم على مستويين متلازمين: علاج جذري كامل عند توفر الموارد، وعلاج إسعافي عاجل بأقل الإمكانات إلى حين توفر التمويل الكبير. ومن الخطأ أن ننتظر المشروع الكامل ثم لا نفعل شيئًا، كما أن من الخطأ أن نكتفي بالشفط والردم ثم نتصور أننا عالجنا المشكلة. فالردم يخفي الماء ولا يزيله، والشفط الفردي يريح بيتًا مؤقتًا ولا يعالج الحي، أما الماء إذا ظل يجد مصدرًا يغذيه، ولم يجد مخرجًا آمنًا يصرفه، فسيعود مرة بعد مرة، وربما في صورة أخطر.

أما العلاج الجذري فيبدأ أولًا بتشخيص علمي دقيق، لا بالاجتهادات المتفرقة. يجب إنشاء خريطة واضحة للمناطق المتأثرة في الحصايا والمربعات وحول الجسر والمقابر القديمة والمصب المؤدي إلى نهر عطبرة، وربطها بمواقع المصاصات والبيارات والسايفونات، وشبكات المياه القديمة، والترع القريبة، والمصارف والمجاري والمنخفضات. كما ينبغي دراسة تركيب طبقات الأرض، أو ما يعرف بالتركيب الليثولوجي، لمعرفة موضع الطبقة الصخرية أو قليلة النفاذية، وعمقها، واتجاه حركة المياه فوقها، وهل المياه تتحرك من جهة معينة، أم تتجمع موضعيًا بفعل الاستخدامات المنزلية والصرف.

ويجب كذلك فحص نوعية المياه نفسها لمعرفة مصدرها: هل هي من صرف صحي؟ أم من تسربات مياه شرب؟ أم من ترعة؟ أم خليط من ذلك كله؟ ويمكن معرفة ذلك بقياسات مثل الملوحة، والمواد الذائبة الكلية، والنترات، والنتريت، والأمونيا، والمؤشرات البكتيرية، والكلور المتبقي. فارتفاع مؤشرات التلوث العضوي والنتريت والنترات يرجح بقوة علاقة المياه بالصرف الصحي، بينما قد يشير وجود الكلور إلى تسرب من شبكة مياه الشرب. ومن غير هذا التشخيص قد تُصرف أموال في اتجاه غير صحيح، أو تنفذ معالجة موضعية تترك أصل الداء كما هو.
وبعد التشخيص تأتي المعالجة الجذرية في محاور مترابطة. أولها إنشاء شبكة صرف صحي حديثة لعطبرة والمناطق المتأثرة، أو على الأقل تنفيذ مرحلة أولى في الأحياء الأكثر خطورة، لأن استمرار المصاصات والبيارات المنفذة يعني استمرار تغذية النز. وإذا تعذر إنشاء الشبكة الكاملة فورًا، فلا بد من حلول انتقالية محكمة، مثل خزانات غير منفذة تُشفط بانتظام وتنقل محتوياتها إلى موقع معالجة آمن، بدل تركها تتسرب تحت البيوت.

وثانيها إنشاء منظومة سحب وتصريف مستمرة للمياه المحبوسة تحت السطح، وهي في ضوء هذا التشخيص من أهم الحلول العملية. تقوم هذه المنظومة على مد مواسير تجميع تحت سطحية أو مصارف أنبوبية مثقبة في المناطق الأكثر تضررًا، بحيث تجمع المياه المتراكمة فوق الطبقة الصخرية أو قليلة النفاذية، وتقودها إلى نقاط تجميع، ثم تُضخ بمضخات إلى فضاء مناسب بعيد عن العمران، أو إلى أحواض معالجة وترسيب وتجفيف. وبعد الفحص والمعالجة يمكن الاستفادة من هذه المياه في التشجير والغابات والأحزمة الخضراء، حيث تسمح المعايير الصحية والبيئية بذلك. أما ضخ مياه صرف ملوثة مباشرة في موضع قريب أو في مجرى غير آمن، فليس حلًا، لأنه ينقل المشكلة من حي إلى حي، أو من سطح الأرض إلى موضع آخر يهدد الناس والبيئة.

وثالثها مراجعة الترعة الرئيسية للأمن الغذائي شمال عطبرة، إن ثبت فنيًا أنها تسهم في تغذية المياه المتراكمة تحت السطح. وفي هذه الحالة قد يكون من اللازم تبطين الأجزاء المتسربة منها، أو تحويل بعض المقاطع المؤثرة إلى مواسير كبيرة، أو تنفيذ عوازل هندسية تقلل تسرب المياه إلى باطن الأرض. لكن هذا يجب أن يتم بناءً على دراسة فنية لا على الظن، حتى لا تنفق الأموال في موضع لا يمثل المصدر الأكبر للمشكلة.

ورابعها إصلاح شبكات مياه الشرب وفحصها بالضغط وأجهزة كشف التسرب، لأن الشبكة المتهالكة قد تكون مصدرًا خفيًا ومهمًا لتغذية المياه تحت الأرض. وخامسها مراجعة الجسور والمصبات والمصارف، وفتح العبارات، وتنظيف مجاري التصريف، ومنع تحول الطرق والردميات إلى حواجز تحبس المياه وسط الأحياء. وسادسها ضبط التخطيط العمراني ومنع البناء في المنخفضات الخطرة إلا بعد المعالجة، وإلزام المباني الجديدة بالعزل الجيد للأساسات، ومنع المصاصات غير المحكمة، ورفع مناسيب الأرضيات في المناطق المعرضة.

وقد يطرح بعض الناس حفر آبار عميقة لاختراق الطبقة الصخرية وتصريف المياه إلى الأسفل، وهذا مقترح لا يجوز قبوله أو تنفيذه جزافًا. فإذا كانت المياه ملوثة بالصرف الصحي، فإن دفعها إلى الأعماق قد ينقل التلوث إلى طبقات أعمق، أو يفتح مسارات ضرر يصعب علاجها لاحقًا. لذلك فالأصل أن تجمع المياه الملوثة وتسحب وتعالج أو تصرف إلى موقع آمن، لا أن تُدفن في أعماق الأرض وكأن المشكلة اختفت. وأي حفر عميق أو اختراق جيولوجي يجب أن يخضع لدراسة وتصريح فني واضح من الجهات المختصة.

لكن إذا قيل إن الدولة لا تملك الآن تمويلًا كافيًا لكل هذه المعالجات، فإن ذلك لا يبرر ترك الناس في مواجهة الماء والتلوث والرطوبة والانهيار. هناك حد أدنى يجب فعله فورًا، وهو أقل كلفة بكثير من انتظار الكارثة. وأول هذا الحد الأدنى هو تنفيذ حل إسعافي منظم لسحب المياه من أكثر النقاط تضررًا عبر مواسير ومضخات، ودفعها إلى موقع بعيد مناسب، تحت إشراف هندسي وصحي، مع عدم صرفها في موضع يعيدها إلى الحي أو يلوث منطقة أخرى.

وإذا تقاصر دور الدولة أو تأخرت الميزانية، فيمكن أن تبدأ نفرة شعبية من أهل المناطق المتضررة، ومن المقتدرين، ومن أبناء عطبرة، ومن كل من يعنيه أمر المدينة. لكن هذه النفرة يجب أن تكون منظمة وموجهة فنيًا، لا عملًا عشوائيًا. يمكن أن تجمع مساهمات لتوفير الحد الأدنى من الدراسة والتنفيذ: تحديد مسار المياه، حفر خنادق تجميع في النقاط الأكثر تضررًا، تركيب مواسير صرف تحت سطحية، إنشاء حوض تجميع، توفير مضخة أو أكثر، ثم دفع المياه إلى موقع بعيد مناسب، مع إلزام الجهات المختصة بالإشراف حتى لا يتحول العمل الشعبي إلى معالجة ناقصة أو مضرة.

وفي الوقت نفسه يجب منع إضافة مياه جديدة إلى باطن الأرض بقدر الإمكان. وهذا يعني حصر المصاصات والسايفونات والبيارات القريبة من مناطق النز، وإيقاف أكثرها خطرًا تدريجيًا، وتحويلها ما أمكن إلى خزانات محكمة، وفحص خطوط مياه الشرب المشتبه فيها، وإصلاح التسربات العاجلة، ومنع تصريف المياه المنزلية إلى أي موضع يزيد التشبع تحت الأرض. فالناس قد لا يستطيعون إنشاء شبكة صرف صحي كاملة، لكنهم يستطيعون، بالتعاون مع المختصين، البدء بإيقاف أكثر المصادر ضررًا، خاصة في البيوت القريبة من خطوط تجمع المياه.

وهنا لا بد من الوقوف عند أصل المشكلة في كثير من المدن السودانية، وهو الاعتماد على نموذج صرف رطب لا تكتمل شروطه. فالمرحاض المعتمد على الماء يمكن أن يكون نظامًا صحيًا آمنًا إذا ارتبط بشبكة صرف محكمة ومحطة معالجة، لكنه يتحول إلى مصدر خطر إذا انتهى إلى سايفون أو سبتنك تانك متسرب أو بئر امتصاص مفتوحة في باطن الأرض. ففي هذه الحالة لا تعود المياه والفضلات خارجة من البيت إلى منظومة آمنة، بل تتحول إلى تغذية يومية لباطن الأرض، تحمل معها البول والبراز ومياه الغسيل والملوثات، ثم تتراكم فوق الطبقات الصخرية أو تختلط بالمياه السطحية والجوفية حيثما وجدت. وبذلك يصبح كل بيت، من حيث لا يشعر أهله، جزءًا من شبكة تلوث غير مرئية تحت المدينة.

ومن الحلول الإسعافية العملية، إلى حين تنفيذ شبكة صرف صحي عامة، أن يُنسَّق بين كل عدد مناسب من البيوت، بحسب الدراسة الفنية وطبيعة الأرض ومناسيبها، لتجميع مياه صرفها في وحدة مغلقة مشتركة لا تسمح بالتسرب إلى باطن الأرض. وقد تكون هذه الوحدة خزانًا محكمًا كبيرًا، أو حوض تجميع معزولًا، أو نظامًا صغيرًا للصرف المحلي يخدم مجموعة من المنازل، بحيث تُنقل إليه مياه الحمامات والمطابخ بدل المصاصات والبيارات المنفذة، ثم تُشفط أو تُضخ بصورة منتظمة إلى موقع معالجة أو تصريف آمن. وهذا الحل، إذا نُفذ بإشراف هندسي وصحي، يقلل كلفة المعالجة على الأسرة الواحدة، ويمنع استمرار تغذية النز، ويحوّل المشكلة من تسرب خفي تحت كل بيت إلى نظام واضح يمكن مراقبته وصيانته. ولا ينبغي أن يترك تقدير عدد البيوت المشتركة للاجتهاد، بل يحدد بحسب كمية المياه اليومية، وطبيعة الأرض، وسعة الخزان أو الحوض، وسهولة وصول عربة الشفط أو المضخة، وبعد الموقع عن أساسات المنازل.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من التفكير في بيت منفرد إلى التفكير في وحدة صرف محلية محسوبة. فبدل أن يكون لكل بيت مصاص أو بئر امتصاص يغذي المشكلة وحده، يمكن، وفق الدراسة العلمية، جمع صرف عدد محدد من البيوت في خزان أو وحدة معالجة مغلقة، تُدار وتُشفط أو تُعالج بانتظام، إلى حين قيام الشبكة العامة. وهذا يشبه من حيث الفكرة إنشاء نظام صرف مصغر يخدم مجموعة مساكن، لا يترك السوائل تتسرب في الأرض، ولا يعتمد على شفط عشوائي متكرر، ولا يرحّل التلوث إلى مكان آخر بلا معالجة.

ومن المعالجات الممكنة أيضًا فتح مصارف سطحية مؤقتة للمياه الراكدة في الجسر والمناطق المنخفضة، وتنظيف المصب المؤدي إلى نهر عطبرة من الحشائش والردميات والمخلفات، وفتح عبارات أو مواسير تحت أي موضع يحبس المياه. ولا يشترط في البداية أن تكون هذه المصارف خرسانية كاملة؛ فقد تبدأ بقنوات محسّنة ذات ميل صحيح، ثم تبطن الأجزاء الضعيفة لاحقًا بالحجارة أو الخرسانة حسب توفر المال. وفي النقاط التي يظهر فيها الماء قرب المنازل يمكن عمل خنادق حصوية أو مصارف أنبوبية بسيطة، تجمع الماء وتوجهه بدل أن ينتشر تحت البيوت.

وصحيًا، يجب التعامل مع مياه النز على أنها مياه صرف أو مياه ملوثة إلى أن يثبت العكس. فلا يجوز أن تُترك للأطفال للعب، ولا أن تستخدم في الغسيل أو سقي الخضروات القريبة من البيوت، ولا أن تبقى بركًا راكدة بجوار المساكن. وأقل ما يجب فعله هو أخذ عينات من المياه للفحص، وردم البرك الصغيرة المنفصلة، ورش أو معالجة أماكن توالد البعوض، وتنظيم حملة توعية بسيطة للأسر بأن الخطر قد لا يكون ظاهرًا في لون الماء أو رائحته، فالماء قد يبدو عاديًا وهو محمل بملوثات ضارة.
أما أصحاب المنازل المتضررة فعليهم ألا يكتفوا بطلاء الجدران أو إخفاء الرطوبة، لأن الدهان لا يعالج أصل المشكلة. الحد الأدنى داخل وحول المنزل هو منع تجمع المياه ملاصقة للأساسات، وعمل ميول بسيطة حول البيت لتصريف الماء بعيدًا، وفتح خندق صرف صغير خارج السور إن أمكن، ومراقبة الشروخ والهبوط والرطوبة الصاعدة. وفي البيوت الأكثر تضررًا يمكن رفع الأرضيات بطبقة ردم جاف جيدة الدمك مع عازل رطوبة عند إعادة التشطيب، لكن هذا لا يغني عن صرف الماء من خارج البيت؛ لأن الماء إذا ظل تحت الأساسات فسيعود أثره ولو بعد حين.

ولأن الدولة قد تتأخر، فإن التنظيم الأهلي يصبح ضرورة لا ترفًا. يمكن تكوين لجنة محلية خاصة بظاهرة النز في حي الحصايا والمناطق المتأثرة، تضم ممثلين من الأهالي، وفني مياه، ومهندسًا إن وجد، وممثلًا للصحة، وممثلًا للمحلية، مع الاستفادة من جامعة وادي النيل، وهيئة مياه الولاية، والمجلس الجيولوجي، وهيئة الأبحاث الجيولوجية، والمركز القومي للبحوث، وكل جهة فنية قادرة على تقديم معرفة عملية. ومهمة هذه اللجنة ليست إصدار البيانات فقط، بل تحديد مواقع تجمع المياه، ورسم مسارات السحب والتصريف، وحصر المصاصات والتسربات، وتنظيم نفير أسبوعي لتنظيف المصارف، وفتح الانسدادات، وجمع مساهمات صغيرة للصيانة والشفط والمعالجات الموضعية.

ويمكن وضع برنامج إسعافي لشهر واحد يبدأ في أسبوعه الأول بتحديد أكثر النقاط تضررًا، وأخذ عينات من المياه للفحص، وتنظيف المصب، وفتح مسار مؤقت لتصريف المياه الراكدة، مع حملة صحية موازية لإزالة بؤر توالد البعوض. وفي الأسبوع الثاني تُفحص تسربات المياه، وتحصر المصاصات والبيارات القريبة من منطقة النز، وتحدد المسارات المناسبة لمواسير التجميع. وفي الأسبوع الثالث تنفذ تجربة صغيرة في أكثر نقطة تضررًا: خندق تجميع، ماسورة مثقبة، حوض تجميع، ومضخة، مع تجربة نموذج تجميعي لعدد محدود من البيوت في وحدة مغلقة مشتركة، ثم تُراقب النتيجة. وفي الأسبوع الرابع يُوسّع العمل حسب نجاح التجربة، مع إقرار نظام صيانة شهري، وتحديد البيوت الأكثر خطرًا، ومواصلة الضغط على المحلية والولاية لتنفيذ المشروع العام.

ولا ينبغي أن تبقى هذه المعالجة محصورة في عطبرة وحدها؛ فمشكلة الصرف الصحي والنز والرطوبة والتلوث ليست شأنًا محليًا معزولًا، بل هي صورة من صور خلل أوسع تعاني منه مدن وقرى كثيرة في السودان، وإن اختلفت الأسباب من منطقة إلى أخرى. فما يصلح في منطقة ذات قاعدة صخرية ومياه صرف محبوسة فوقها، لا يُنقل حرفيًا إلى منطقة ذات مياه جوفية قريبة من السطح، أو إلى قرية ذات تربة رملية، أو مدينة متأثرة بالفيضان، ولكن المنهج نفسه يظل صالحًا: تشخيص علمي أولًا، ثم تحديد مصدر الماء والتلوث، ثم وقف التسرب من المصاصات والبيارات، ثم إنشاء وحدات صرف محكمة أو شبكات عامة، ثم سحب المياه أو معالجتها أو إعادة استخدامها في التشجير والزراعة المقيدة وفق الضوابط الصحية. وبذلك تتحول تجربة عطبرة، إذا أُحسن التعامل معها، إلى نموذج قابل للتطوير لمواجهة مشكلات الصرف الصحي في السودان كله، لا بقرار واحد جامد، بل بحلول علمية مرنة تناسب طبيعة كل مدينة وقرية.

أما في القرى والمناطق التي لا تستطيع الدولة أن تمد إليها شبكات صرف صحي قريبة، فإن الحل لا ينبغي أن يكون تكرار النموذج الخطر نفسه بحفر مراحيض رطبة تلامس المياه السطحية أو الجوفية، بل البحث في النماذج الجافة الحديثة التي تفصل الفضلات وتعالجها دون ماء ودون تسريب أرضي. فالسودان، ببيئاته الريفية الواسعة وتكاليف البنية التحتية العالية، يحتاج إلى تمييز واضح بين ما يناسب المدن وما يناسب القرى: المدن تحتاج شبكات صرف أو وحدات معالجة محكمة، والقرى يمكن أن تستفيد من المراحيض الجافة الحديثة حيث تكون أنسب وأرخص وأحفظ للمياه والبيئة، وحيث تناسبها الظروف الفنية والصحية والاجتماعية.

إن جوهر القضية أوسع من نز عطبرة وحده؛ إنه سؤال الصرف الصحي في السودان كله. ففي عطبرة وما يشبهها من مناطق ذات قاعدة صخرية أو طبقات قليلة النفاذية، قد تتحول المصاصات والبيارات إلى خزان ملوث محبوس تحت البيوت، يطفو مع الزمن ويهدد الصحة والعمران والبيئة. وفي مناطق أخرى من السودان، حيث تكون الأرض أكثر نفاذية أو تكون المياه السطحية والجوفية قريبة، لا يبقى الخطر محبوسًا تحت البيوت، بل يتسرب إلى باطن الأرض، ويختلط بالمياه التي قد يستعملها الناس في الغسيل أو الري أو الشرب، فتنتقل المشكلة من رطوبة ونز ظاهر إلى تلوث خفي واسع الأثر. وفي الحالتين، سواء حُبست مياه الصرف فوق أرض مغلقة، أو تسربت في أرض نافذة، فالضرر واحد في جوهره: تلويث للبيئة، وتهديد لصحة الإنسان، وإضعاف للعمران، وفتح لأبواب المرض والكلفة المتزايدة.

ولذلك لم يعد السؤال: هل نعالج نز عطبرة وحده؟ بل: هل يظل السودان أسير نماذج صرف رطبة غير محكمة تلوث الأرض والماء وتفتح أبواب المرض، أم ينتقل إلى منظومات آمنة تناسب كل بيئة؟ فالمدن تحتاج شبكات صرف مركزية أو وحدات مغلقة مشتركة ومعالجات محلية محسوبة، والمناطق المتأثرة بالنز تحتاج سحبًا وتصريفًا ومعالجةً تمنع التمدد والتلوث، والقرى والمناطق التي لا تصلح لها الشبكات المكلفة تحتاج حلولًا جافة أو شبه جافة حديثة تحفظ الماء والأرض والكرامة، حيث تناسبها الظروف الفنية والصحية والاجتماعية. فعطبرة هنا ليست سوى جرس إنذار، وما يظهر فيها على عمق متر واحد قد يكون في غيرها تلوثًا صامتًا لا يُرى إلا بعد أن يفسد الماء والبيئة والصحة. وكل يوم يمر بلا معالجة علمية ليس يوم انتظار محايدًا، بل يوم تتسع فيه دائرة الخطر، وتزداد فيه كلفة العلاج، ويصبح فيه الإصلاح اللاحق أصعب مما كان يمكن أن يكون لو بدأنا الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى