
في الوقت الذي يخوض فيه السودان معركة استعادة الأمن والاستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب تبرز معركة أخرى لا تقل خطورة عن المواجهات العسكرية لكنها أكثر خفاء وأشد فتكاً لأنها تستهدف العقول قبل الأجساد وتضرب مستقبل الأوطان من بوابة الشباب إنها معركة مكافحة المخدرات الخطر الصامت الذي يتسلل إلى البيوت ويهدد المجتمع في أمنه واستقراره وقيمه
ولعل ما أعلنته الدولة مؤخراً من ضبط مصنع ضخم لإنتاج الحبوب المخدرة بمنطقة الجيلي الصناعية يؤكد أن المخدرات لم تعد مجرد عمليات تهريب عابرة للحدود بل أصبحت نشاطاً منظماً يستهدف المجتمع بصورة مباشرة الأمر الذي يفرض مضاعفة الجهود الرسمية والشعبية لمواجهته فحين تتحول البلاد من مجرد معبر للمخدرات إلى ساحة للإنتاج والترويج والتعاطي يصبح التصدي لهذه الظاهرة واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل
إن الرسالة التي بعثت بها وزارة الداخلية والإدارة العامة لمكافحة المخدرات خلال الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات كانت واضحة وصريحة لا تهاون مع تجار السموم ولا حصانة للمروجين ولا ملاذ للمهربين وهي رسالة تعكس إدراك الدولة لحجم التحدي وخطورة المرحلة وتؤكد أن معركة المخدرات باتت جزءاً أصيلاً من معركة حماية الأمن القومي وحماية المجتمع
غير أن نجاح هذه المواجهة لا يعتمد على الأجهزة الأمنية وحدها مهما بلغت كفاءتها وقدراتها لأن المخدرات تخوض حرباً ناعمة تستهدف الوعي والقيم والأخلاق ولذلك فإن الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام ومنظمات المجتمع المدني مطالبون جميعاً بالوقوف في خندق واحد لحماية الشباب من الوقوع في براثن الإدمان
ويأتي الشعار المحلي لهذا العام المخدرات حرب خفية فلنتحد جميعاً معبراً بدقة عن طبيعة التحدي فهذه الحرب لا تُرى بالعين المجردة لكنها تتسلل بصمت إلى داخل البيوت وتستهدف أغلى ما يملكه الوطن شبابه ومستقبله وكل أسرة واعية تمثل خط دفاع وكل معلم مخلص يشكل حصناً منيعاً وكل إعلامي مسؤول يسهم في بناء جدار الوعي ضد هذه الآفة المدمرة
إن أخطر ما في المخدرات أنها لا تقتل الإنسان دفعة واحدة بل تسلبه إرادته وطموحه وقدرته على الإنتاج والعطاء وتفتح أبواباً واسعة للجريمة والتفك الأسري والانهيار الاجتماعي لذلك فإن الاستثمار الحقي في المستقبل يبدأ بحماية الشباب وتحصينهم من هذا الخطر الداهم
السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني شامل لمكافحة المخدرات يجمع بين الردع الأمني والتوعية المجتمعية والعلاج والتأهيل ويعمل على تجفيف منابع التهريب والترويج بالتوازي مع بناء وعي مجتمعي يجعل من مكافحة المخدرات مسؤولية جماعية لا تقتصر على جهة بعينها
*فاصلة*
إذا كانت القوات المسلحة تخوض معركة الكرامة دفاعاً عن الأرض فإن رجال مكافحة المخدرات يخوضون معركة موازية دفاعاً عن العقول وفي كلتا المعركتين يبقى الهدف واحداً حماية الوطن فحين يكون تجار السموم في مرمى الدولة وحين يتوحد المجتمع خلف راية الوعي والمسؤولية تضيق المساحات أمام دعاة الخراب ويتسع الطريق نحو وطن آمن ومستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة
اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ أبناءنا من كل سوء





