
ليست النشويات عدوًّا للإنسان كما يظن بعض الناس حين يسمعون التحذير من الخبز والدقيق والأرز والعصائد والكسرة والمكرونة والبطاطس، وليست كذلك طعامًا مفتوحًا بلا حساب كما تتعامل معها موائد كثيرة حين تجعلها أصل الوجبة كلها. فالنشويات مصدر مهم من مصادر الطاقة، ولا يستطيع كثير من الناس، خاصة العاملين والطلاب وأصحاب الجهد البدني، أن يستغنوا عنها بسهولة، ولكن الخلل يبدأ حين تتحول النشويات من جزءٍ من الوجبة إلى معظم الوجبة، ومن طاقةٍ يحتاجها الجسد إلى فائضٍ يتراكم، ومن طعامٍ يعين الإنسان على العمل إلى سببٍ للخمول وزيادة الوزن واضطراب السكر عند من يكثر منها بلا ميزان.
والقرآن الكريم حين يذكر الزرع والحبوب يذكرها في سياق النعمة والرزق والآية الدالة على الخالق، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33]. فالحبّ الذي يأكله الناس أصلٌ من أصول غذائهم، وليس مذمومًا في ذاته. وقد عاش الناس قرونًا على الحبوب والخبز والعصائد والكسرة وسائر ما تخرجه الأرض، لكنهم كانوا في الغالب يأكلونها في سياق حياةٍ أكثر حركة، وطعامٍ أبسط، وتوازنٍ أقرب إلى الفطرة، لا في سياق جلوسٍ طويلٍ وسكرٍ كثيرٍ وزيوتٍ كثيرةٍ ومشروباتٍ محلاةٍ وأطعمةٍ مصنعة.
ومن هنا ينبغي أن يكون الحديث عن الخبز والدقيق والنشويات حديث ميزان لا حديث حرب. فالذرة، والدخن، والقمح، والأرز، والبطاطس، والبطاطا، والكسرة، والعصيدة، والقراصة، والخبز، كلها قد تكون غذاءً نافعًا إذا جاءت في قدرها، ومعها ما يوازنها من بقولياتٍ أو خضرواتٍ أو بروتينٍ أو لبنٍ أو دهونٍ قليلةٍ نافعة. لكنها قد تصبح عبئًا إذا صارت وحدها أساس الوجبة، أو أُكلت بكمياتٍ كبيرةٍ بلا حركة، أو صُحبت بالسكر والزيت والملح والمقليات والمشروبات المحلاة.
وأول ما ينبغي فهمه أن النشويات ليست نوعًا واحدًا. فهناك حبوب كاملة أو أقرب إلى الكمال، تحتفظ بقشرتها وأليافها وجنينها وعناصرها، وهناك دقيق أبيض منزوع كثيرٍ من قيمته، سريع الهضم عند كثير من الناس، يعطي شبعًا ظاهرًا قصيرًا، ثم يترك الجسد أسرع عودةً إلى الجوع والرغبة في المزيد. فالفرق بين خبزٍ مصنوعٍ من حبوبٍ أكثر اكتمالًا، وخبزٍ أبيض ناعمٍ قليل الألياف، ليس فرق شكلٍ ولونٍ فقط، بل فرق في أثره على الشبع والهضم وسكر الدم وسلوك الشهية.
وقد امتن الله تعالى على الإنسان بالحبّ وما يخرج من الأرض في مواضع كثيرة، فقال سبحانه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32]. وهذه الآيات لا تكتفي بذكر الطعام، بل تأمر الإنسان أن ينظر إليه؛ أي أن يتأمل مصدره ونعمته وحكمته. ومن هذا النظر أن لا يتعامل الإنسان مع الحبوب والدقيق والخبز باعتبارها مجرد ملءٍ للبطن، بل باعتبارها رزقًا يحتاج إلى حسن اختيارٍ وحسن استعمال.
والدقيق الأبيض يحتاج إلى وقفة خاصة؛ لأنه ليس مجرد قمحٍ في صورةٍ أخرى، بل قمحٌ أُزيلت عنه، ، أجزاء مهمة من الحبة: القشرة التي تحمل قدرًا معتبرًا من الألياف، والجنين الذي يحمل شيئًا من الزيوت الطبيعية والعناصر الدقيقة، فبقي الجزء النشوي الأكثر نعومةً وسرعةً في الهضم. ولهذا تذكر مراجع التغذية أن طحن الحبوب وتنقيتها بإزالة القشرة والجنين يجعلها أعلى أثرًا في سكر الدم من الحبوب الأقل معالجة، وأن الألياف تبطئ تفكك النشا إلى جلوكوز، فتجعل ارتفاع السكر أهدأ وأقل حدة. وهذا هو جوهر الفرق بين الحبة الكاملة والدقيق الأبيض: ليس فرق لون، بل فرق تركيب وأثر.
والخبز الأبيض، بسبب قلة أليافه وسرعة هضمه، قد يرفع السكر في الدم بسرعة أكبر، ويستدعي استجابةً أعلى من الإنسولين، ثم يعقب ذلك عند بعض الناس جوعٌ أسرع أو خمولٌ أو رغبةٌ في مزيد من النشويات. وإذا تكرر ذلك مع قلة الحركة وكثرة السكر والزيوت، أصبح الخبز الأبيض جزءًا من نمطٍ غذائي يفتح الباب لزيادة الوزن واضطراب السكر والدهون. لذلك تنصح جهات صحية معروفة باختيار الحبوب الكاملة والخبز المصنوع من الحبة الكاملة بدل الحبوب المنقاة والخبز الأبيض، وبجعل الحبوب الكاملة جزءًا من طبقٍ متوازن لا غذاءً منفردًا.
وقد شدّد بعض الأطباء والكتّاب في مجال الغذاء الطبيعي، ومنهم الدكتور كاس إنغرام، على خطورة النمط الغذائي القائم على الدقيق الأبيض والسكر والزيوت الرديئة، ورأى أن الدقيق الأبيض من أبرز ما دخل على غذاء الإنسان المعاصر فأضعف توازنه، خاصة حين يجتمع مع السكر والمقليات والمشروبات المحلاة. والفكرة العامة صحيحة في باب التحذير من الغذاء المنقّى المفرغ من أليافه وسياقه الطبيعي؛ فالدقيق الأبيض ليس كالحبة الكاملة، والخبز الأبيض ليس كطعامٍ تقليديٍّ قائمٍ على حبوبٍ كاملةٍ وخضرةٍ وبقولٍ وحركة. وقد نُقل عنه في سياق نقد الغذاء الحديث عدُّ الدقيق الأبيض والأرز الأبيض والسكر والزيوت المكررة من أسوأ ما يرهق الجسم حين تتحول إلى عادةٍ يوميةٍ غالبة.
والمعنى أن الخبز الأبيض ينبغي أن يُعامل بوصفه طعامًا منقّى سريع الهضم قليل الألياف، لا بوصفه أساس المائدة اليومية بلا حساب. فإذا أُكل أحيانًا، أو أُخذ بقدر، ومعه خضرة وبقول وبروتين وحركة، كان أثره غير أثر من يجعله رفيق كل وجبة، ومعه شايٌ محلى، وزيتٌ كثير، وقلة حركة.
وفي واقعنا السوداني، للنشويات حضورٌ كبير في المائدة اليومية. فالكسرة والعصيدة والقراصة والخبز والذرة والدخن والقمح ليست أطعمةً هامشية، بل جزء من هوية الطعام وحياة الناس. وليس صوابًا أن نطلب من الناس تركها أو النظر إليها كأنها سبب المرض كله؛ فهذا لا يراعي الواقع ولا العلم ولا الحاجة. ولكن الحكمة أن نقول: أبقوا الأصل، وأصلحوا القدر والطريقة والتوازن. فالعصيدة مع ملاحٍ خفيفٍ غنيٍّ بالخضرة أو الويكة أو العدس ليست كالعصيدة الغارقة في دهنٍ وملحٍ زائد. والكسرة مع ملاحٍ متوازن وخضرة ليست كالكسرة التي تؤكل بكثرةٍ ثم يتبعها شايٌ محلى وكسلٌ طويل. والخبز حتى حال كونه كاملا إذا كان جزءًا من وجبةٍ متوازنة ليس كالخبز الذي يصير الوجبة كلها.
وفي السودان، للدخن والذرة الرفيعة وبعض الحبوب المحلية قيمة كبيرة إذا أُحسن استعمالها. فهي أطعمة أقرب إلى البيئة، وأبعد عن مشكلة الاعتماد الكامل على الدقيق الأبيض منزوع القشرة والمعالج صناعيًا. ومن الضرورة رد الاعتبار للحبوب المحلية، وتنويع مصادر النشويات، وعدم حصر الطعام في الخبز الأبيض . فالتنوع في الحبوب أنفع للبيت والصحة والاقتصاد معًا، خاصة إذا صاحبه تحسين الطحن والتخزين والنظافة وطريقة الطبخ.
والمشكلة في كثير من البيوت ليست وجود الخبز، بل أن الخبز صار حاضرًا مع كل شيء: مع الفول، ومع البطاطس، ومع المكرونة، ومع الأرز، ومع الشاي، ومع الأطعمة التي هي في أصلها نشوية أيضًا. وهكذا يجتمع نشاءٌ على نشاء، ثم يظن الإنسان أنه أكل وجبةً عادية. فإذا اجتمع الخبز مع الأرز، أو الخبز مع البطاطس، أو الخبز مع المكرونة، أو الخبز مع العصيدة، فإن الجسم يتلقى كمية كبيرة من الطاقة النشوية، خاصة إذا كان الإنسان قليل الحركة.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى قاعدة سهلة: لا تجعل النشويات تتزاحم في طبقٍ واحدٍ بلا حاجة. فإذا كان الطعام أرزًا، فليس من الضروري أن يكثر معه الخبز. وإذا كان الطعام مكرونة، فليس من الحكمة أن تكون معها أرغفة كثيرة. وإذا كانت الوجبة عصيدة أو كسرة، فلتكن الكمية معقولة، وليكن معها ما يرفع قيمتها من خضرةٍ وبقولٍ وبروتينٍ مناسب. ليست القضية أن نحرم الإنسان، بل أن نمنع التكرار الغافل داخل الوجبة نفسها.
ومن الهدي القرآني أن الطعام ليس مجرد تمتعٍ عابر، بل نعمة مرتبطة بالشكر والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]. فالآية تجمع بين الأكل من الطيبات والعمل، وكأنها تذكر أن الغذاء زادٌ يقيم الجسد ليعمل في الخير. ومن هنا فإن الطعام الذي يورث الخمول والثقل عند تكراره لا يحقق مقصد الغذاء الكامل، ولو كان كثيرًا ومشبعًا. فالخبز والنشويات ينبغي أن تكون طاقةً للحركة والعمل، لا سببًا للكسل والنوم وثقل البدن.
وقد ذكر الله تعالى الحبوب في سياق الرزق العام، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 14-16]. فالحبوب رزقٌ ينبت بالماء، وهي جزء من نظامٍ كونيٍّ واسع. ومن تمام فقه الرزق أن لا نهدره، ولا نحتقره، ولا نسيء استعماله. فإذا كانت الحبوب نعمة، فإن تحويلها إلى إفراطٍ يوميٍّ يضر البدن ليس شكرًا لها، كما أن إهمال قيمتها والاعتماد على طعامٍ مصنعٍ رديء ليس شكرًا كذلك.
ومن أكثر الأخطاء انتشارًا أن يُفهم الشبع على أنه كثرة خبز. فإذا لم يمتلئ الطبق بالنشويات قيل: لم نأكل جيدًا. وهذا الفهم يحتاج إلى تصحيح. الشبع الصحي لا يأتي من الخبز وحده، بل من توازن الطبق. فالبقوليات تشبع، والخضروات تشبع، والبروتين يشبع، والألياف تشبع، والماء يساعد على انتظام الشبع، أما الخبز وحده فقد يملأ ثم لا يبني بما يكفي. ومن هنا كان الفول مثلًا، إذا قُدم بزيتٍ قليلٍ وخضرةٍ وكمية خبزٍ معتدلة، وجبةً أفضل من فولٍ غارقٍ في الزيت يؤكل معه خبزٌ كثيرٌ وشايٌ شديد السكر.
والنشويات السائلة أو شبه السائلة تحتاج إلى انتباه كذلك. فبعض العصائد والأطعمة اللينة قد تؤكل بكمياتٍ كبيرة لأنها سهلة البلع، فيأخذ الإنسان منها أكثر مما يشعر. وبعض المشروبات أو الأطعمة المحلاة المصنوعة من الدقيق أو النشا تجمع بين السكر والنشا، فتكون مضاعفة الأثر. فإذا أضفنا إليها قلة الحركة، صار الطريق مفتوحًا لزيادة الوزن واضطراب الطاقة. وليس الحل أن نلغي الأطعمة الشعبية، بل أن نضبط الكمية والإضافات والتكرار.
ومن فقه البدن أن يعرف الإنسان حاله. فالصغير النشيط غير الكبير قليل الحركة، والعامل في الحقل غير الموظف الجالس، ومريض السكري غير الصحيح، ومن يعاني من السمنة غير النحيف، ومن يمشي كثيرًا غير من يقضي يومه على الكرسي. لذلك لا يصح أن تكون كمية الخبز أو العصيدة واحدةً لكل الناس في البيت. وقد يكون من العدل أن تختلف الحصص بحسب الحاجة، بدل أن يأكل الجميع بالعادة نفسها.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير». والقوة هنا ليست قوة العضلات وحدها، بل يدخل فيها ما يعين الإنسان على القيام بواجبه في دينه ودنياه. والطعام الذي يجعل الإنسان أثقل وأكسل إذا تكرر بلا ميزان، لا يخدم معنى القوة. أما النشويات حين تؤخذ بقدرها، ومع حركةٍ وعملٍ وتوازنٍ في الطبق، فإنها تكون زادًا للطاقة لا بابًا للضعف.
ومن المهم ألا نجعل النشويات عدوًا للفقير. فالفقير يعتمد عليها لأنها أرخص وأشبع، ولا يجوز أن نوهمه بأن الصحة لا تكون إلا بأطعمةٍ غالية. بل نقول: حتى داخل الإمكان المحدود يمكن التحسين. يمكن تقليل الخبز قليلًا، وزيادة العدس أو الفول أو اللوبيا حين تتيسر، وإضافة خضرةٍ رخيصة موسمية، واستعمال الذرة أو الدخن أو الحبوب المحلية حيث تتوفر، وتقليل الزيت في الملاح ليخف العبء. يمكن أن يكون الشبع من طبقٍ أذكى لا من كمية خبزٍ أكبر.
وفي المقابل، لا ينبغي للغني أن يخدع نفسه بأن مشكلته محلولة لأنه يأكل أطعمة أغلى. فكثير من الأطعمة الغالية ليست صحية بالضرورة. المخبوزات الفاخرة، والمعجنات المحشوة، والحلويات المصنوعة بالدقيق الأبيض والسكر والدهون، والوجبات السريعة، قد تكون أشد ضررًا من طعامٍ شعبي بسيط. فالقيمة لا تقاس بالسعر، بل بما يدخل الجسد فعلًا. وطبق عدسٍ متوازنٍ يقينا أنفع من معجناتٍ براقةٍ تجمع الدقيق الأبيض والسمن المهدرج والسكر والملح.
ومن الأخطاء أن يتحول الخبز إلى عادةٍ نفسية لا حاجة غذائية. بعض الناس لا يشعر أنه أكل إلا إذا أمسك الخبز بيده، حتى لو كانت الوجبة نفسها مشبعة. وبعضهم يأكل الخبز مع البطاطس أو الأرز أو المكرونة لا لأنه محتاج، بل لأن اليد اعتادت. والعادة إذا لم تُراجع صارت أقوى من الحاجة. ومن الإصلاح العملي أن ينقص الإنسان رغيفًا واحدًا أولًا، أو يجعل نصف الطبق من الملاح والخضرة والبقول، لا من النشويات وحدها. والتدرج هنا أنفع من القرار القاسي الذي لا يستمر.
ومن أنفع ما يفعله البيت أن يغيّر طريقة تقديم الطعام. فإذا وُضع الخبز بكميات كبيرة أمام الناس، أكلوا أكثر. وإذا قُدمت كمية معقولة أولًا، ومعها خضرة أو سلطة أو ملاح غني بالبقول، اكتفى كثيرون بما هو أقل. وإذا تعود الأطفال أن الخبز ليس هو الطعام كله، وأن الخضرة والفول والعدس واللبن والبيض واللحم عند القدرة ولو على فترات بقدر ما تيسر، أجزاء مهمة من الوجبة، نشؤوا على ذوقٍ أعدل. أما إذا تربوا على الخبز والشاي والسكر والمقليات، صار تصحيحهم بعد الكبر أصعب.
وقد جاء في القرآن الكريم ذمُّ من جعل همه الاستهلاك والغفلة، لا من أكل الطيبات بوعي، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]. وهذه الآية في سياقها إنذارٌ للكافرين الغافلين، ولكنها تحمل معنى تربويًا عامًا: أن الأكل إذا انفصل عن البصيرة والمسؤولية صار مظهرًا من مظاهر الغفلة. وفي باب النشويات، يظهر هذا حين يأكل الإنسان بلا تقديرٍ لحاجة بدنه، ولا اعتبارٍ لحركته، ولا مراجعةٍ لما يكرره كل يوم.
والحل العملي ليس معقدًا. اجعل النشويات جزءًا من الطبق لا كل الطبق. اختر الحبوب الأقرب إلى الكمال حيثما تيسر. قلل الدقيق الأبيض حين تجد بديلًا مناسبًا.
لا تجمع أكثر من نشاءٍ في وجبة واحدة بلا حاجة. زد البقوليات والخضروات. راقب كمية الخبز مع الفول والبطاطس والمكرونة والأرز. لا تجعل الشاي المحلى نهايةً تلقائية لكل وجبة. تحرك بعد الطعام ولو مشيًا خفيفًا. وراعِ حال المريض، خاصة مريض السكري، فلا يتعامل مع الخبز والعصائد والأرز كما يتعامل الصحيح.
ومن الأسئلة المفيدة قبل الوجبة: هل في طبقي نشويات أكثر من حاجتي؟ هل جمعت خبزًا مع أرزٍ أو مكرونةٍ أو بطاطس بلا ضرورة؟ هل أستطيع أن أزيد الخضرة أو العدس بدل زيادة الخبز؟ هل أتناول الدقيق الأبيض كل يوم بلا تنويع؟ هل أتحرك بما يناسب ما آكل؟ هل أنا آكل لأقوى أم لأمتلئ فقط؟ هذه الأسئلة البسيطة تعيد للإنسان قيادة عادته بدل أن تقوده العادة.
إن الخبز والدقيق والنشويات من نعم الله، ومن أصول غذاء البشر، ولا يصح أن تتحول النصيحة الصحية إلى تخويفٍ مطلقٍ منها. لكنها تحتاج إلى ميزان: نوعٌ أفضل ما أمكن، كميةٌ أعدل، توازنٌ مع بقية الطعام، وحركةٌ تناسب ما يدخل الجسد من طاقة. فمن جعل النشويات خادمةً للوجبة، لا حاكمةً عليها، انتفع بها. ومن جعلها طعامه الأكبر في كل وقت، ثم زاد عليها السكر والزيت وقلة الحركة، فتح على نفسه بابًا من أبواب المرض.
وهكذا يكون الغذاء صحةً حين نأكل الخبز والحبوب بعقل، ويكون مرضًا حين تتحول النشويات إلى ملءٍ يوميٍّ غافل. فالكسرة والعصيدة والخبز والأرز والبطاطس ليست خصومًا للصحة، ولكنها تطلب صحبةً صالحةً على المائدة: خضرةً، وبقولًا، وبروتينًا، وماءً، وحركةً، واعتدالًا. وما بين رغيفٍ محسوبٍ ورغيفٍ زائد، وبين طبقٍ متوازنٍ وطبقٍ يغلب عليه النشاء وحده، قد يبدأ فرقٌ كبير في وزن الإنسان، ونشاطه، وسكره، وصحته، وطول عافيته.





