
لم تعد الاتصالات في عالم اليوم خدمةً جانبيةً تُضاف إلى حياة الناس، ولا رفاهيةً تقنيةً يمكن احتمال اضطرابها كما تُحتمل بعض الأعطال العابرة. لقد أصبحت الشبكة اليوم جزءًا من حركة السوق، ومن انتظام العمل، ومن قدرة المواطن على شراء حاجته، ومن قدرة الدولة على إدارة المال والخدمات، بل صارت في كثير من جوانبها مرفقًا حيويًا لا يقل أثره عن الكهرباء والماء والطرق.
وحين تضعف شبكة الاتصالات أو تتوقف، فإن الذي يتوقف ليس الهاتف وحده، ولا تطبيقًا مصرفيًا بعينه، بل تتعطل معه مصالح الناس اليومية، وتتباطأ حركة البيع والشراء، وتتأخر الأعمال، وتضيع ساعات من أعمار المواطنين في الانتظار والقلق والبحث عن بدائل. وقد كان الناس من قبل يحتملون ضعف الشبكة في مكالمة عابرة أو رسالة متأخرة، أما اليوم فإن ضعف الشبكة قد يمنع إنسانًا من دفع قيمة الوقود، أو شراء الدواء، أو إكمال معاملة، أو تحويل مال لأسرته، أو قبض ثمن سلعة باعها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: نحن نتحدث كثيرًا عن التحول الرقمي، وعن تقليل الاعتماد على النقد الورقي، وعن إدخال التطبيقات البنكية في حياة الناس، وهذا توجه صحيح من حيث الأصل، بل هو ضرورة لأي دولة تريد إصلاح إدارتها واقتصادها وتقليل الفوضى والفساد. ولكن الرقمنة لا تقوم بالشعارات، ولا بالتطبيقات وحدها، ولا بإلزام الناس بالدفع الإلكتروني ثم تركهم أسرى لشبكات مضطربة وأنظمة تتوقف بلا بدائل واضحة.
وقد تلاحظ في حياة الناس اليومية كثرة تعطل الشبكة أو التطبيقات المصرفية، لا في مكان واحد ولا في معاملة واحدة، بل في مواقف متكررة تمتد من الأسواق ومحطات الوقود والصيدليات إلى المواصلات والتحويلات الصغيرة بين الأسر. وهذا التكرار يجعل الخلل أكبر من كونه عطلًا عابرًا؛ لأنه يربك حياة الناس، ويضعف ثقتهم في الدفع الإلكتروني، ويدفع بعضهم إلى الاحتفاظ بالنقد أو البحث عنه بأي طريقة، مع أن الاتجاه العام يفترض أن يكون نحو نظام مالي أسهل وأسرع وأكثر أمانًا.
فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ من البنية التحتية الصلبة: شبكة مستقرة، وتغطية واسعة، وسرعات كافية، وأنظمة مصرفية مأمونة، ومراكز بيانات محمية، وخطط طوارئ عند الانقطاع، ووسائل دفع بديلة تعمل عند ضعف الإنترنت أو انعدامه. أما أن يُدفع المواطن دفعًا إلى الاعتماد على الهاتف في كل معاملة، ثم يُترك عند أول عطل عاجزًا عن الدفع أو القبض أو الحركة، فذلك لا يصنع ثقة في الرقمنة، بل يصنع خوفًا منها.
ولا ينكر عاقل أن الحكومة قد تواجه عجزًا بالغًا وضغطًا كبيرًا في تدبير ما يعترضها من أزمات على الأصعدة المختلفة، من المال والخدمات والطاقة والإدارة والأمن وسائر وجوه الحياة العامة. وهذا قد يفسر بعض جوانب القصور، لكنه لا يبرره ولا يعفي من المسؤولية؛ لأن هناك قطاعات لا يجوز أن تُترك حتى تتداعى، ولا يصح التعامل معها كأنها مسائل ثانوية تنتظر الفائض من الإمكانات. فبعض المرافق إذا اختلت جرّت وراءها اختلالات مضاعفة في السوق والمعاش والثقة والإنتاج، ومن هذه المرافق شبكة الاتصالات القوية، والطاقة اللازمة لتشغيلها، والأنظمة المصرفية المرتبطة بها. ولذلك يجب على الدولة، مهما ضاقت مواردها، أن تجعل لهذه القطاعات أولوية خاصة في المال والإعداد الفني والتأمين والتشغيل المستمر؛ لأن عدم توفيرها لا يعني توفيرًا في الإنفاق، بل يعني فتح باب لخسائر أكبر، قد تظهر عاجلًا في تعطيل المعاملات، أو لاحقًا في تآكل الثقة واضطراب الاقتصاد.
وهنا ينبغي أن يكون تدخل الدولة عاجلًا وحاسمًا، لا بمجرد التوجيهات العامة، بل بإدخال كل ما يلزم من أجهزة ومعدات وطاقة ووسائل تشغيل احتياطية لتأمين قوة الشبكات وديمومتها، وضمان ألا تبقى حياة الناس ومصالحهم معلقة بخيط ضعيف ينقطع كل حين. كما يجب إلزام كل الجهات التي ترتبط بها مصالح المواطنين، وفي مقدمتها التطبيقات البنكية وأنظمة الدفع، بإحكام عملها، واختبار جاهزيتها، وتوفير بدائلها، ومراقبتها رقابيًا وفنيًا بحيث لا تنقطع الخدمة عن الناس ولو لدقائق معدودة. ومهما بدت تكلفة هذا الأمر كبيرة في ظاهرها، فإنها تظل قريبة من الصفر إذا قيست بما تجلبه من فوائد، وما تمنعه من جوائح وأضرار، وما تحفظه من أوقات وأموال، وما ترسخه من ثقة في النظام الرقمي قبل أن تتبدد هذه الثقة ويصعب استعادتها.
والخطر هنا لا يقف عند حدود الضيق اليومي، بل يمتد إلى الاقتصاد كله. فالساعة التي يضيعها عامل أو سائق أو تاجر أو موظف بسبب تعطل الدفع الإلكتروني ليست مجرد ساعة شخصية ضائعة، بل هي جزء من إنتاج معطل، ودخل مفقود، وحركة سوق متباطئة. وإذا تكرر هذا الخلل يومًا بعد يوم، فإنه يتحول من عطل تقني إلى نزيف اقتصادي صامت لا يظهر دائمًا في الأرقام، لكنه يظهر في تعب الناس وتراجع الثقة واضطراب المعاملات.
ثم إن اضطراب التطبيقات البنكية وضعف الشبكات يعيدان الناس قسرًا إلى البحث عن النقد الورقي في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من شح السيولة وصعوبة الحصول عليها. وهنا تنشأ بيئة خطرة، لا لأن الناس يريدون الفوضى، بل لأن الحاجة تضطرهم إلى طرق ملتوية للحصول على المال السائل، فتظهر الوساطات، وترتفع كلفة الوصول إلى الكاش، ويستغل بعضهم حاجة المواطن العاجلة إلى الدفع أو السفر أو العلاج أو شراء الضروريات. وبذلك تتحول المشكلة التقنية إلى مدخل جديد للابتزاز المالي، ولتشويه المعاملات، ولإضعاف الثقة في النظام المصرفي كله.
إن أي مشروع جاد للرقمنة في السودان يجب أن يبدأ من سؤال بسيط: هل يستطيع المواطن أن يعتمد على النظام الرقمي بثقة في حياته اليومية؟ إن كانت الإجابة لا، فمعنى ذلك أن الطريق ما زال يحتاج إلى عمل عميق، لا إلى مزيد من الخطابات. فالثقة لا تُفرض على الناس، بل تُبنى بالتجربة المتكررة. حين يجد المواطن أن التطبيق يعمل في أغلب الأوقات، وأن التحويل يصل، وأن الدفع يتم، وأن العطل إذا وقع فله بديل، يبدأ في الاطمئنان. أما حين يجد نفسه كل يوم بين ضعف شبكة، وتوقف تطبيق، وانعدام نقد، فإنه لن يرى في الرقمنة فرصة للراحة، بل عبئًا جديدًا فوق أعبائه.
ولذلك فإن المطلوب ليس التراجع عن الرقمنة، بل تصحيح طريقها. المطلوب أن تُعامل شبكات الاتصالات والتطبيقات المصرفية بوصفها بنية سيادية حيوية، لا مجرد خدمات تجارية تترك وحدها بلا مساءلة. لا بد من جهة رقابية فاعلة تتابع جودة الخدمة، وتنشر مؤشرات الأداء، وتحاسب على الانقطاعات المتكررة، وتلزم الشركات والمصارف بخطط طوارئ واضحة، وتضمن أن يكون لكل خدمة رقمية بديل عملي عند تعطل الإنترنت أو ضعف الشبكة.
كما ينبغي تطوير وسائل دفع لا تتوقف كليًا عند ضعف الاتصال، وتوسيع نقاط الخدمة، وتحسين الربط بين المصارف وشركات الاتصالات، وإلزام الجهات المعنية بإبلاغ المواطنين عند الأعطال الكبيرة بدل تركهم في الظلام. فالشفافية هنا ليست ترفًا؛ إنها جزء من بناء الثقة. المواطن الذي يعرف سبب العطل ومدته المتوقعة وبدائله المتاحة يكون أقدر على الاحتمال من مواطن تُغلق أمامه المعاملة بلا تفسير.
إن السودان لا يستطيع أن يبني اقتصادًا رقميًا على شبكة هشة، ولا أن يقنع الناس بترك الكاش إذا لم يمنحهم بديلًا موثوقًا، ولا أن يتحدث عن دولة ذكية بينما أبسط المعاملات قد تتوقف بسبب ضعف الاتصال. فالرقمنة ليست هاتفًا في يد المواطن، ولا تطبيقًا في شاشة، بل منظومة كاملة تبدأ من التخطيط، وتمر بالبنية التحتية، وتنتهي بثقة الناس في أن حقوقهم ومصالحهم لن تتوقف عند أول خلل.
آخر القول: إن تعطّل الشبكة لم يعد مسألة فنية عابرة، بل صار مرآة تكشف هشاشة الطريق إلى التحول الرقمي إذا لم يُبنَ على أساس صحيح. وقد يكون عجز الدولة عن معالجة كل شيء دفعة واحدة مفهومًا في ظل الأزمات المتراكمة، لكنه لا يصح أن يشمل المرافق التي يترتب على ضعفها شلل واسع في حياة الناس. فكل مال يُنفق على تأمين الشبكات والطاقة والأنظمة المصرفية ليس ترفًا ولا عبئًا زائدًا، بل هو وقاية من خسائر أوسع وأعمق. وكلما تأخر إصلاح هذا الخلل، زادت كلفة الانتظار على المواطن والاقتصاد والدولة. فالبلاد التي تريد النهوض لا يكفي أن تعلن الرقمنة، بل يجب أن تؤمّن شروطها، وتحمي بنيتها، وتضمن استقرارها، حتى لا يتحول الحلم الرقمي إلى صورة جميلة على الورق، بينما الواقع يعيد إنتاج الفوضى القديمة بوسائل جديدة.





