الجنيه السوداني… ثلاثة أصفار حُذفت والقيمة تواصل التراجع (٤ من ٥)
بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

تناولنا في المقال السابق كيف ساعدت عائدات النفط على تقارب السعرين الرسمي والموازي للدولار، وكيف كشف انفصال جنوب السودان عام ٢٠١١ مخاطر الاعتماد على مورد رئيسي واحد. وننتقل اليوم إلى تغيير الوحدة النقدية مرتين، وحذف ثلاثة أصفار دون أن يمنع ذلك تراجع قيمة الجنيه.
عند الاستقلال عام ١٩٥٦، كان الجنيه السوداني يتكون من مائة قرش، والقرش من عشرة مليمات. وفي عام ١٩٩٢ أُدخل الدينار، بحيث يعادل الواحد منه عشرة جنيهات أصلية، وتداول إلى جانب الجنيه حتى اكتمل إحلاله محله عام ١٩٩٩. وفي يناير ٢٠٠٧، تنفيذًا لاتفاقية السلام الشامل، عاد الجنيه بوحدة جديدة يعادل الواحد منها مائة دينار، أي ألف جنيه أصلي. وهكذا حُذف صفر أولًا، ثم صفران، ليصبح مجموعها ثلاثة أصفار.
وبحساب الوحدات النقدية، فإن مليون جنيه أصلي يعادل مائة ألف دينار، أو ألف جنيه حالي. ولذلك فإن التعبير عن سعر الدولار بملايين الجنيهات الأصلية إنما يقصد به توضيح مقدار تراجع قيمة الجنيه عبر السنين، وليس السعر الذي يجري به التداول اليوم.
لكن حذف الأصفار لا يخلق قيمة اقتصادية؛ فالأسعار والأجور والديون والأرصدة تُحوَّل بالنسبة نفسها، دون أن تتغير القوة الشرائية بسبب الاستبدال ذاته. وقد يُسهّل تغيير الوحدة الحسابات والتسعير والمعاملات، لكنه لا يعالج التضخم أو عجز الموازنة أو اختلال سوق الصرف.
وهنا ينبغي التمييز بين القيمة الاسمية للعملة، وسعر صرفها مقابل العملات الأخرى، وقوتها الشرائية التي تحدد مقدار ما تشتريه من سلع وخدمات. فقد يتغير الرقم المكتوب على العملة دون أن تتغير قوتها الشرائية، وقد يستقر سعر صرفها بينما تتآكل تلك القوة بفعل التضخم.
ولهذا فإن عدد الجنيهات التي يساويها الدولار لا يكفي للحكم على سلامة الاقتصاد؛ فاختلاف الوحدات النقدية بين الدول يجعل المقارنة العددية مضللة. وإنما العبرة بالتضخم والإنتاجية والدخل الحقيقي والاستقرار النقدي والتوازنات الاقتصادية.
وتؤكد التجربة السودانية أن المشكلة لم تكن في كثرة الأصفار، وإنما في الأسباب الاقتصادية والمؤسسية التي أضعفت العملة. فحذف الأصفار قد يُبسّط التعاملات، لكنه لا يعيد القيمة المفقودة. تلك القيمة لا تستعاد إلا بإصلاح اقتصادي متكامل يحرر سوق الصرف، ويضبط المالية العامة، ويعزز المنافسة وحكم القانون، ويهيئ البيئة للاستثمار والإنتاج وزيادة الصادرات.
وبعد استعراض رحلة الجنيه وأسباب تعدد أسعار الصرف وتجربة النفط وحقيقة حذف الأصفار، نصل إلى السؤال الأهم: كيف نعالج جذور الأزمة ونستعيد الثقة في العملة؟ هذا ما نتناوله، إن شاء الله، في المقال الخامس والأخير: «الجنيه السوداني… كيف نستعيد قيمة العملة وننهي تعدد الأسعار؟».





