الجنيه السوداني… حين يتعدد سعر الدولار وتضيع حقيقة القيمة (٢ من ٥)
بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

تناولنا في المقال السابق رحلة الجنيه السوداني منذ الاستقلال عام ١٩٥٦ حتى أكتوبر ٢٠٢٦، وكيف انتقل سعر الدولار من نحو خمسة وثلاثين قرشًا إلى آلاف الجنيهات الحالية، أو ملايين الجنيهات بحساب العملة الأصلية قبل تغييرها وحذف الأصفار منها. لكن وراء هذه الأرقام قضية لا تقل أهمية عن تراجع قيمة العملة، وهي تعدد أسعار الصرف، حتى أصبح للدولار سعر رسمي تعلنه السلطات، وآخر موازٍ تحدده معاملات السوق.
والأصل أن سعر الصرف يعبر عن قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، ويتحدد في السوق الحرة وفق العرض والطلب، في ظل المنافسة والشفافية. فإذا زاد الطلب على الدولار على المعروض منه ارتفع سعره، وإذا زاد المعروض على الطلب انخفض. أما حين تحدد السلطات سعرًا رسميًا لا يستطيع المتعاملون عنده الحصول على احتياجاتهم من النقد الأجنبي، فإن الطلب الذي لا تستوعبه القنوات الرسمية ينتقل إلى السوق الموازية.
ولنأخذ مثالًا توضيحيًا: إذا كان السعر الرسمي للدولار ألف جنيه، بينما لا يتوافر إلا في السوق الموازية بألفي جنيه، فإن المستورد الذي يحتاج إلى مائة ألف دولار يجد نفسه أمام تكلفة معلنة تبلغ مائة مليون جنيه، وتكلفة فعلية تبلغ مائتي مليون. وإذا حصل مستورد آخر على المبلغ نفسه بالسعر الرسمي، فإنه يتمتع بميزة قدرها مائة مليون جنيه، لا بسبب تفوقه في الإنتاج أو الكفاءة، وإنما لمجرد حصوله على النقد الأجنبي بسعر مختلف. وهذه أرقام افتراضية لتوضيح أثر تعدد الأسعار، وليست أسعارًا تاريخية.
وهكذا لا يعود الفرق بين السعرين مجرد اختلاف في الأرقام، بل يصبح مصدرًا لتشويه المنافسة وتفاوت التكاليف، ويفتح المجال لأرباح تنشأ من الامتيازات بدلًا من النشاط المنتج. وقد تُحسب بعض المعاملات والرسوم وفق السعر الرسمي، بينما تُحدد أسعار السلع في السوق على أساس التكلفة الفعلية للحصول على الدولار، فتضطرب الحسابات وتضعف الشفافية.
ولا تقف المشكلة عند المستوردين؛ فالمصدر والمغترب والمستثمر ينظرون كذلك إلى السعر الذي يحصلون عليه مقابل ما يدخلونه من نقد أجنبي. فإذا كان السعر الرسمي أدنى كثيرًا من السعر المتاح خارج المصارف، ضعفت جاذبية القنوات الرسمية، واتجهت المعاملات إلى السوق الموازية، فتقلص المعروض لدى الجهاز المصرفي، وازدادت صعوبة تلبية الطلب من خلاله.
وقد تلجأ السلطات لمواجهة هذا الوضع إلى مزيد من القيود على شراء النقد الأجنبي وبيعه وتحويله، لكنها إن لم تعالج أسباب الندرة والفجوة السعرية، فستزيد الحوافز للتعامل خارج القنوات الرسمية. فالسوق الموازية ليست سبب الاختلال، وإنما هي نتيجة لعدم التوازن بين العرض والطلب في القنوات الرسمية، وللقيود التي تحول دون التقاء الطرفين في سوق واحدة، وإن كانت بدورها قد تساهم في تعميق الاختلال واستمراره.
وقد شهد السودان فترات اتسعت فيها الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وأخرى تقلصت فيها بصورة كبيرة. وهذا التفاوت التاريخي يؤكد أن تعدد الأسعار ليس قدرًا محتومًا، وإنما ظاهرة تتأثر بتوافر النقد الأجنبي، وطبيعة السياسات الاقتصادية، ومدى ثقة المتعاملين في النظام المصرفي.
ومن هنا، فإن معالجة المشكلة تبدأ بإزالة أسباب انقسام السوق، وتمكين المتعاملين من شراء النقد الأجنبي وبيعه عبر المصارف والصرافات المرخصة، في سوق موحدة وشفافة وتنافسية، تتحدد فيها الأسعار وفق العرض والطلب، دون امتيازات أو قيود تخلق أسعارًا متباعدة.
ولا يعني ذلك أن توحيد السعر سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض الدولار فورًا، بل يعني أولًا إنهاء التشوهات التي تجعل للعملة الأجنبية الواحدة أسعارًا مختلفة، وتيسير معاملات المواطنين بيعًا وشراءً للعملات المحلية والأجنبية، واستعادة ما تفقده الدولة من إيرادات ومنافع اقتصادية نتيجة انتقال التداول إلى السوق الموازية، وذلك عبر سوق موحدة وشفافة وجاذبة، تقوم على العرض والطلب، وتربط المصارف والصرافات المرخصة بمنصة مركزية تتيح المنافسة وتضمن شفافية المعاملات وسهولة تنفيذها.
والدرس الذي تقدمه التجربة السودانية أن السعر الرسمي لا يصبح معبرًا عن الواقع لمجرد إعلانه، وإنما حين يكون سعرًا يمكن عنده تنفيذ المعاملات فعلًا. أما الفجوة الواسعة بين السعرين، فهي مؤشر على خلل يستوجب معالجة أسبابه الاقتصادية والمؤسسية، لا الاكتفاء بملاحقة مظاهره.
وإذا كانت هذه الفجوة قد اتسعت في فترات وتقلصت في أخرى، فإن سنوات النفط تقدم تجربة تستحق التوقف عندها، حين تقارب السعران الرسمي والموازي بصورة لافتة. فكيف حدث ذلك، ولماذا لم يستمر؟ هذا ما نتناوله في مقالنا القادم بعنوان: «الجنيه السوداني… حين تقارب السعران في سنوات النفط».





