مقالات

إثيوبيا… ماذا يعني الانفجار الجديد للسودان والمنطقة؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

ما يجري في إثيوبيا تجاوز حدود التوتر الداخلي؛ فهذه الدولة الكبيرة تقع في قلب القرن الإفريقي، وترتبط بالسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال بحدود ومياه وتجارة وأمن، فيما يمتد أثر استقرارها أو اضطرابها إلى البحر الأحمر وباب المندب والخليج وطرق التجارة الدولية.
والتطور الأخطر هو عودة المواجهة المسلحة إلى شمال البلاد. فقد سيطرت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي على مطارات مقلي وأكسوم وشِرِه، وتعطلت الرحلات الجوية إليها، مع تصاعد القتال في جنوب تيغراي وعفر، في أخطر اختبار لاتفاق بريتوريا لعام 2022 الذي أوقف الحرب السابقة.
ويتزامن ذلك مع تحول سياسي وعسكري أكبر، بعد إعلان سبع قوى مسلحة وسياسية، تضم جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو وجيش تحرير أورومو وقوى من أقاليم أخرى، تشكيل «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف معلن هو إزاحة حكومة آبي أحمد وإقامة سلطة انتقالية. والمفارقة أن التحالف يجمع قوى قاتل بعضها بعضًا في الحرب السابقة، ولا تزال بينها خلافات عميقة حول الأرض والنفوذ ومستقبل الدولة؛ ولذلك قد يكون اتفاقها على مواجهة الحكومة أسهل كثيرًا من اتفاقها على ما بعدها.
وتزداد خطورة المشهد لأن إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على ممر جيبوتي في تجارتها الخارجية. ولم يثبت حتى الآن قطع هذا الشريان، لكن اقتراب القتال من عفر يضع أحد أهم المسارات المؤدية إليه تحت ضغط محتمل، وأي تعطيل واسع له سينعكس على الوقود والغذاء والأسعار وحركة الاقتصاد الإثيوبي.
لكن الأزمة أعمق من مطار أو طريق؛ فالصراعات الممتدة في تيغراي وأمهرا وأوروميا وغيرها باتت تتقاطع مع تحالف عابر للأقاليم. وإذا التحمت جبهاتها، فقد تتحول الأزمة إلى اختبار لبنية الدولة الفيدرالية نفسها، وتمتد آثارها إلى إريتريا وجيبوتي والصومال والبحر الأحمر، ولا سيما مع اضطرابات اليمن وباب المندب.
والسودان من أكثر الدول تعرضًا للنتائج المباشرة. فبين البلدين حدود طويلة وملفات الفشقة ومياه النيل وسد النهضة، وقد دفعت مواجهات سابقة هذا العام مئات الإثيوبيين بالفعل إلى العبور نحو السودان. واتساع الحرب قد يعني مزيدًا من اللاجئين والسلاح والمقاتلين والجريمة العابرة للحدود، فوق ما يتحمله السودان أصلًا من حرب وأزمة اقتصادية وإنسانية.
لكن التحولات الكبرى ليست أخطارًا فقط؛ إنها تعيد توزيع المصالح وموازين القوة. وهنا ينبغي أن يكون السودان حاضرًا في المعادلة بمصالحه وحقوقه: يحمي حدوده وأرضه ومياهه وأمنه، ويتعامل مع أي كيد أو عدوان بما تكفله له حقوقه ومصالحه، وفي الوقت نفسه يبني من الروابط الاستراتيجية ما يجعل الإضرار بالسودان مكلفًا لمن يقدم عليه قبل أن يكون ضرره واقعًا على السودان. فالقوة الأرسخ ليست في رد الفعل وحده، وإنما في بناء شبكة مصالح تجعل أمن السودان واستقراره ضرورة لمحيطه.
ومن أهم أدوات ذلك موقع السودان البحري. فحاجة إثيوبيا الدائمة إلى تنويع منافذها تتيح ربط جزء معتبر من تجارتها بميناء بورتسودان عبر ممر بري وسككي ولوجستي تنافسي. والمكسب هنا لا يقتصر على رسوم الموانئ والعبور والنقل والتخزين وفرص العمل والاستثمار، بل يتجاوزها إلى بناء مصالح متبادلة تجعل استقرار السودان وأمن حدوده وعلاقته الجيدة مصلحة إثيوبية مباشرة، وتجعل التوتر معه مكلفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.
وهذا يتطلب من السودان تأهيل ميناء بورتسودان والطرق والسكك الحديدية والجمارك والخدمات اللوجستية، حتى تتحول الجغرافيا من موقع على الخريطة إلى قوة اقتصادية وسياسية دائمة.
أما إن اتسعت الحرب الإثيوبية، فإن الخطر الإنساني سيكون جسيمًا؛ فقد أظهرت حرب تيغراي السابقة ما يمكن أن تنتجه المواجهات الواسعة من قتل ونزوح وتعطل للإنتاج والخدمات ونقص في الغذاء، وستكون التداعيات هذه المرة أشد تعقيدًا إذا تعددت الجبهات.
لذلك فالسؤال بالنسبة للسودان ليس فقط: إلى أين تتجه إثيوبيا؟ بل: كيف يحمي السودان نفسه من عواقب ما يجري، وكيف يحول هذا التحول في الوقت نفسه إلى قوة ومصلحة استراتيجية دائمة؟
المطلوب هو تأمين الحدود والاستعداد للنزوح وحماية المصالح في الفشقة ومياه النيل والبحر الأحمر، مع بناء ممرات التجارة والمصالح المتبادلة التي تجعل السودان عنصرًا لا يمكن تجاوزه في اقتصاد المنطقة واستقرارها.
فالدول لا تحمي نفسها برد الأخطار بعد وقوعها فحسب، وإنما ببناء المصالح التي تجعل الآخرين يدركون مسبقًا أن استقرارها أنفع لهم من الإضرار بها، وأن كلفة العدوان عليها قد تبدأ عند المعتدي قبل أن تصل إليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى