
إن الذي يرزقنا في الرَّخاء هو الذي يرزقنا في الغلاء”.
لم تكن الحروب في تاريخ الأمم مجرد معارك تُخاضُ بالسلاح في ساحات المواجهة، بل كانت دائماً تقترن بحروبٍ إعلامية ونفسية أشد ضراوة، تسعى لكسر “الإنسان” وإذلال إرادته قبل كسر سيفه. وفي قلب هذه الحروب المتجددة، تبرز حملات مِمَّن باعوا ولاءهم للعدو، يروجون ليل نهار لشائعة “المجاعة المحققة” واقتراب الموت جوعاً في أرضٍ كانت ولا تزال تسمى “سلة غذاء العالم”.
إن الهدف من هذه الحملات ليس التحذير الإنساني النبيل، بل محاولة إحداث الهلع الجمعي، وكسر الشكيمة، وتطويع الإرادة الوطنية عبر إيهام المواطن السوداني بأن الجوع قادم لا محالة، وأن المواجهة قد انتهت لصالح القحط والانهيار. ولكن هيهات، فشعبٌ يضرب بجذوره في أرض عطاء، ويستند إلى أرصادٍ إيمانية وثقافية راسخة، عصيٌّ على الإذلال.
حين كانت تقع الأزمات وتغلو الأسعار في صدر الإسلام والأعصر التي تلته، لم يكن التابعون والصالحون ينظرون إلى القوت اليومي بمنظار الرعب أو الاستكانة للعدو.
أورد الإمام أبو نعيم في “حلية الأولياء” أن الناس لما جاءوا إلى سلمة بن دينار (أبي حازم) مشتكين: “يا أبا حازم، أما ترى قد غلا السعر؟!”، رد عليهم بيقينٍ لم تزعزعه الملمّات: “وما يغمّكم من ذلك؟ إن الذي يرزقنا في الرَّخاء هو الذي يرزقنا في الغلاء”.
وكان إبراهيم بن أدهم يقول حين يُحذَّر من الغلاء: “والله ما يضرني لو أصبحت حبة القمح بدينار، عليَّ أن أعبده كما أمرني، وعليه أن يرزقني كما وعدني”.
وحين شُكي للسلف غلاء الأسعار، كان منطقهم: “أخفضوها بالاستغفار”، تعميقاً لارتباط الأرض بالسماء، وثقة بأن الأسباب البشرية مهما تآمرت فإن مادة الحياة بيد الرازق القابض الباسط.
هذا الموروث لم يكن تواكلاً، بل كان “حصانة نفسية” تُفشل محاولات تركيع المجتمعات عبر الحصار والتجويع. واليوم، يتسلح المواطن السوداني بهذا اليقين ذاته؛ فالسودان الذي تختزن أرضه ملايين الأراضي الصالحة للزراعة، وتجري في شرايينه الأنهار والنيل، ويمتلك مجتمعاً قائماً على الفزعة والتكافل، هو بلدُ خيرٍ وفير، لن تنال منه أدوات الابتزاز الإعلامي التي تسعى لتصويره كبلدٍ عاجزٍ يتطلع لنِعَمِ الآخرين.
إن مجابهة ضغوط الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة لا تكتفي باليقين وحده، بل تتطلب إدارةً واعية وتكافلاً اجتماعياً سديداً، تماماً كما خطّ السياسةَ الاقتصادية الأولى الخليفةُ الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
حين حلّ “عام الرمادة” (عام 18 هـ)، لم يقف الفاروق مكتوف الأيدي، بل فعّل خطوط الإمداد من الولايات الغنية، وأقام معسكرات الإيواء و”دار الدقيق”، وشكّل منظومة توزيع عادلة تكفل الجميع حتى انجلاء الأزمة.
أسس الخليفة عمربن الخطاب رضي الله عنه “ديوان العطاء” لضمان حدٍّ أدنى من الكفاية لكل مواطن، وفرض الرعاية حتى للمواليد وغير المسلمين من أهل الذمة، مرتكزاً على مبدأ أن الدولة حاميةُ كرامةِ بنيها.
كان الفاروق رضي الله عنه الذي فرق بين الحق والباطل يراقب الأسواق، ويمنع الاحتكار، ويسائل كبار الموظفين عبر مبدأ “من أين لك هذا؟”، لضمان ألا تذهب الموارد إلى أيدي النفعيين والوسطاء على حساب قوة الرعية.
وفي النموذج السوداني، يرتكز المجتمع على هذه الروح المؤسسية والاجتماعية في آنٍ واحد؛ فمن محليّات الإنتاج الزراعي في الولايات المختلفة، إلى التكافل في النفاجات والمبادرات المجتمعية و”التكايا” التي أقامها السودانيون بجهودهم الذاتية في أحلك الأوقات، يتجلى المفهوم ذاته، التلاحم هو الحصن الذي تتكسر عليه محاولات التجويع.
لقد سعى الأعداء وخلاياهم المأجورة لقطع سلاسل الإمداد، وتعطيل المواسم الزراعية، ونهب المحاصيل ومخازن الغذاء لفرض سياسة الإفقار الإجباري، ولكن السواعد السودانية التي تزرع وتنتج وتسند بعضها البعض أثبتت أن من يملك الأرض والوعي لا يُهزم بالسلاح ولا بالشائعات.
إن تكرار أسطوانة “السودان على شفا مجاعة شاملة” في وسائل الإعلام المغرضة يحمل في طياته عدة أهداف خبيثة.
ممارسة ضغط نفسي على المواطن ليحل الفزع والهلع محل الصمود والإنتاج.
تسهيل التدخلات وتمرير الأجندات: اتخاذ “الخطر الإنساني” ذريعةً لفرض إملاءات سياسية وأمنية تُضعف السيادة الوطنية.
التغطية على الانتهاكات الحقيقية.
التعمية على من يُعطل الزراعة وينهب القرى والمحاصيل، وتحويل الجريمة من طرف المعتدِ إلى حالة “عجزٍ وطني” عابرة.
لكن غاب عن هؤلاء الخونة أن المجتمع السوداني يمتاز بأصالةٍ قوامها أن “الجوع لا يكسر الشرفاء”، وأن بلداً يفيض بالخيرات الطبيعية والقدرات الذاتية قادراً -بإذن الله ثم بهمة بنيه- على استعطاف الموارد وتنظيمها لتجاوز كل كبوة طارئة.
آخر القول
إن تاريخ السودان لم يُكتب يوماً بأيدي الخائفين، ولن تُحدد مساره شائعاتُ المأجورين؛ فكما عبرت الأمة الإسلامية أزماتها العتيدة باليقين والحكمة والعمل المتكامل، يعبر السودان اليوم هذه المحنة بثباتِ مواطنه وأصالة أرضه.
إن “حرب التجويع” التي أراد بها الأعداء إذلال هذا الشعب الأبي قد ارتدت عليهم خزيًا، فلم تزد المواطن السوداني إلا تمسكاً بأرضه، وإيماناً بفكره، وتكافلاً مع أخيه. سيبقى السودان أرض الخير والكرامة، وسيعلم الذين ظلموا وروجوا للمسكنة والانهيار أن هذا الشعب يُطعم ولا يُجوع، ويَبني ولا يُهدم، ويقف شامخاً أمام كل الرياح العاتية.
كسرة
من أجمل القول
نحنا الضيفنا ما بنزل طريف الحلة
ونحنا الما بنعيش بين الخلوق في ذلة
ونحنا وكان عطينا بندي لي وجه الله




