
حملت زيارة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى موسكو دلالات سياسية واقتصادية مهمة، تجلت في لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالكرملين، ومشاركته في القمة الروسية الأفريقية، وما صاحب الزيارة من حفاوة رسمية وتكريم أكاديمي بمنحه الدكتوراه الفخرية، إلى جانب بحث التعاون في التعدين والطاقة والزراعة والنقل والتعليم والتكنولوجيا، وطرح مقترح لإنشاء منطقة اقتصادية روسية على البحر الأحمر. وهي زيارة تفتح آفاقًا لتنويع الشراكات الدولية وجذب الاستثمارات والتقنيات، لكن قيمتها الحقيقية تتوقف على ما يتحقق من نتائجها.
ولعل ما صاحب الزيارة من حفاوة واهتمام رفيع المستوى يعكس إدراك موسكو للأهمية الاستراتيجية للسودان، بموقعه المطل على البحر الأحمر، وموارده الزراعية والمعدنية الهائلة، وإمكاناته التي ربما لم نحسن نحن أنفسنا تقديرها واستثمارها. فالعلاقات بين الدول، ولا سيما القوى الكبرى كروسيا، لا تحكمها العواطف والمجاملات، وإنما المصالح والحسابات الاستراتيجية. ومن ثم فإن السؤال الأهم ليس لماذا تهتم روسيا بالسودان، وإنما كيف يحسن السودان الإفادة من هذا الاهتمام لمصلحة شعبه واقتصاده.
فالتفاهمات والوعود، مهما بلغت أهميتها السياسية، لا تصنع نهضة اقتصادية ما لم تجد بيئة صالحة لتنفيذها. وقد عانى السودان طويلًا من فجوة واسعة بين المشروعات المعلنة وما يُنجز منها، لا لقلة موارده أو فرصه، وإنما لاختلال البيئة العامة التي تحكم الاستثمار والإنتاج والتجارة والإدارة. ولذلك فإن نجاح الزيارة لا يُقاس بحجم الحفاوة أو كثرة المشروعات المطروحة، بل بمقدار ما يتحول منها إلى استثمارات منتجة وفرص عمل وصادرات وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني. وهذا يتطلب، إلى جانب استعادة الأمن والاستقرار، إصلاحًا جذريًا للبيئة العامة عبر حزمة متكاملة من السياسات تُنفذ بالتوازي لا بالتتابع؛ لأن إصلاح جانب وترك بقية الجوانب مختلة كمن يملأ إناءً مثقوبًا.
وتقوم هذه الحزمة على تحرير اقتصادي راشد وحقيقي، يوحد سعر الصرف وينهي تعدد أسعاره، ويفتح المنافسة والاستيراد والتصدير، ويزيل الاحتكارات والقيود الإدارية غير المبررة، مع الالتزام بالضوابط الصحية والبيئية ومعايير الجودة. ويتزامن ذلك مع توحيد الرسوم والضرائب وضبطها، واستقرار التشريعات، وحماية الملكية والعقود، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وإصلاح الجهاز الإداري، حتى يعرف المستثمر، وطنيًا كان أم أجنبيًا، حقوقه والتزاماته وتكاليف نشاطه مسبقًا، بعيدًا عن المفاجآت وتعدد مراكز القرار.
وتكتمل الحزمة بالرقمنة الشاملة لمؤسسات الدولة، وربط إجراءات الاستثمار والتراخيص والجمارك والضرائب والسجل العقاري والتعاقدات والمدفوعات بمنظومة إلكترونية متكاملة، تستعين بأحدث النظم والتقنيات، وتختصر الوقت والتكلفة، وتحد من الفساد، وتعزز الشفافية والمساءلة. ومن شأن هذه الإصلاحات أن تهيئ المناخ لتدفق رؤوس الأموال والخبرات والتقنيات، والنهوض بمشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات والصناعة والزراعة والتعليم والتدريب والخدمات المصرفية. فتلك ثمار الإصلاح ونتائجه، لا شروط ينبغي على الدولة إنجازها جميعًا قبل الشروع فيه؛ إذ يتمثل دورها أساسًا في تهيئة البيئة الحاكمة وضمان المنافسة والعدالة، مع الاضطلاع بمسؤولياتها الأساسية.
وليست هذه الحزمة حلمًا بعيد المنال، ولا مشروعًا يستلزم انتظار الوفرة المالية؛ وإنما تحتاج في المقام الأول إلى إرادة سياسية حاسمة، وخطة علمية محكمة، وتنظيم مؤسسي منضبط، والاستعانة بأحدث التجارب الدولية في الحوكمة والإدارة والرقمنة، مع تخصيص الميزانية اللازمة لتنفيذها وجعلها أولوية وطنية حتى في ظل شح الموارد. فتكلفة تأسيس منظومة الإصلاح، وإن استلزمت إنفاقًا معتبرًا، يمكن ضبطها وترشيدها، وقد تكون محدودة قياسًا بخسائر الفساد والتعطيل وسوء الإدارة. وهي استثمار يُنتظر أن يفتح الطريق لتدفقات أكبر من رؤوس الأموال والإيرادات والإنتاج، لا عبء ينبغي تأجيله إلى حين تحسن الأوضاع.
ولا يعني تنفيذ الحزمة بالتوازي إنجاز كل شيء دفعة واحدة، أو انتظار اكتمال الإصلاحات قبل استقبال الاستثمارات، وإنما الشروع في مساراتها المترابطة معًا، وفق خطة واضحة وأولويات ومواعيد ومؤشرات لقياس الإنجاز، بالتزامن مع التفاوض والتعاقد وتنفيذ المشروعات.
ومهما بدا من حماس الروس أو غيرهم، ومهما بلغت الحفاوة والتصريحات من جاذبية وتألق، فإن قرارات الاستثمار الجادة لا تُبنى على المجاملات الدبلوماسية وحدها، وإنما على ما يراه المستثمرون من تحولات فعلية في البيئة الاقتصادية والقانونية والإدارية، تضمن الحقوق واستقرار التشريعات وحرية النشاط الاقتصادي وإمكان تحويل الأرباح ورؤوس الأموال وفق قواعد معلومة. فهذه التحولات هي التي تعزز الثقة وتحول الرغبة في التعاون إلى تمويل وعقود ومشروعات منتجة.
ومن المهم ألا تتحول الشراكات الدولية إلى امتيازات حصرية أو تبعية اقتصادية جديدة، بل تُبنى على المنافسة والشفافية والمصلحة المتبادلة، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تنقل التكنولوجيا، وتوظف السودانيين وتدربهم، وتزيد الصادرات، وتضيف قيمة للموارد المحلية بدل الاكتفاء بتصديرها خامًا. فالسودان لا يحتاج إلى استبدال شريك خارجي بآخر، وإنما إلى اقتصاد قادر على التعامل مع الجميع من موقع المصلحة والسيادة والاستقلال.
إن زيارة البرهان لموسكو تفتح فرصًا تستحق المتابعة الجادة، لكن الاختبار يبدأ بتحويل التفاهمات إلى برامج تنفيذية وإزالة العقبات التي طالما أهدرت الفرص وأفشلت المشروعات. فروسيا، مهما بلغت قدراتها واستعدادها للتعاون، لا تستطيع أن تصلح للسودان بيئته العامة؛ فتلك مسؤولية الدولة السودانية نفسها. فالدبلوماسية تفتح أبواب الفرص، ولكن إصلاح الداخل هو الذي يجعل عبورها مثمرًا، بإرادة تجعل الإصلاح الشامل أولوية وطنية، وتترجمه إلى حزمة متكاملة ومتزامنة، حتى تتحول ثروات السودان الهائلة من إمكانات معطلة إلى إنتاج واستثمارات ورخاء واستقرار. فالإصلاح ليس ثمرة الوفرة التي ننتظرها، وإنما الطريق إلى صنع تلك الوفرة.





