
دخل سباق اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة مرحلة جديدة من التنافس، مع إجراء مجلس الأمن الدولي الجولة السابعة من الاقتراعات غير الرسمية لاختيار خليفة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر 2026، وسط استمرار التباين بين أعضاء المجلس بشأن المرشحين، وعدم حصول أي منهم حتى الآن على توافق يتيح الانتقال إلى التوصية الرسمية.
وأظهرت نتائج الاقتراع السابع، الذي جرى الجمعة 30 أكتوبر، تقدم مرشحة كوستاريكا ريبيكا غرينسبان، بعدما حصلت على 11 صوتاً مؤيداً وأربعة أصوات معارضة، في أفضل نتيجة تحققها خلال الجولات السبع. وجاء المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأرجنتيني رافائيل غروسي، في المرتبة التالية بتسعة أصوات مؤيدة، بينما حصلت مرشحة غيانا كارولين رودريغيز بيركيت على ثمانية أصوات مؤيدة.
أما مرشحة الإمارات لانا نسيبة، التي دخلت المنافسة حديثاً، فحصلت على سبعة أصوات مؤيدة وستة معارضة، مع امتناع عضوين عن إبداء الرأي.
وتعكس هذه النتائج استمرار التنافس بين الأسماء المطروحة، لكنها لا تعني حسم السباق لصالح المرشحة المتقدمة، إذ يتطلب اختيار الأمين العام توافقاً داخل مجلس الأمن، بما في ذلك عدم استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).
اقتراع سري ومنافسة مفتوحة
وتُجرى الاقتراعات غير الرسمية المعروفة باسم «Straw Polls» بصورة سرية، بهدف قياس مستوى الدعم الذي يحظى به كل مرشح لدى أعضاء مجلس الأمن، قبل الانتقال إلى مرحلة التوصية الرسمية.
وتكتسب هذه الجولات أهمية خاصة بسبب امتلاك الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا حق النقض، ما يجعل موقف هذه الدول عاملاً حاسماً في تحديد المرشح الذي يمكن أن يحصل على توصية المجلس.
وكانت الجولة السادسة قد أظهرت عدم حصول أي مرشح على دعم الدول الخمس دائمة العضوية، رغم تقدم غرينسبان في عدد الأصوات المؤيدة، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام استمرار المنافسة واحتمال ظهور مرشحين جدد.
وتشير نتائج الجولة السابعة إلى تحسن موقع غرينسبان، التي سجلت 11 صوتاً مؤيداً، مقابل تسعة لغروسي وثمانية لرودريغيز بيركيت، غير أن الأرقام وحدها لا تكشف هوية الدول التي منحت المرشحين أصوات التأييد أو الاعتراض في الاقتراع الأخير.
دخول إماراتي يثير أسئلة بشأن السودان
ومن أبرز التطورات التي شهدها السباق دخول السفيرة الإماراتية لانا زكي نسيبة، بعد ترشيحها رسمياً من دولة الإمارات في 21 أكتوبر الجاري، لتصبح أحد الأسماء الجديدة في المنافسة.
وقد اكتسب ترشيحها أهمية إضافية في ضوء الجدل المتعلق بموقف الإمارات من الحرب في السودان، إذ برزت تساؤلات خلال الحوار التفاعلي مع المرشحين بشأن استقلالية الأمين العام المقبل، وموقفه من قضايا السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ووفقاً لتقرير مجلس الأمن، طُرحت على نسيبة أسئلة مباشرة بشأن موقف الإمارات من الاتهامات السودانية المتعلقة بدعم مليشيا الدعم السريع، كما أثيرت القضية خلال الحوار التفاعلي بمشاركة ممثلين عن السودان والمجتمع المدني.
وأكدت نسيبة، في ردها، أهمية المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على استقلال الأمين العام وموظفي المنظمة عن تلقي التعليمات من أي حكومة أو جهة خارج الأمم المتحدة.
ويضع هذا التطور ملف السودان ضمن القضايا التي يمكن أن تحضر في النقاشات المتعلقة بشخصية الأمين العام المقبل، خصوصاً أن المنصب لا يقتصر على إدارة أجهزة المنظمة، وإنما يمتد إلى المسؤولية الدبلوماسية والسياسية في التعامل مع النزاعات الدولية، والدفاع عن مبادئ الميثاق الأممي.
هل تقترب امرأة من قيادة الأمم المتحدة؟
ويحمل السباق الحالي دلالة تاريخية، إذ لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة منذ تأسيس المنظمة قبل 81 عاماً، رغم وجود مطالبات متكررة بضرورة إتاحة الفرصة لامرأة لتولي المنصب.
وتضم قائمة المرشحات عدداً من الشخصيات الدبلوماسية والسياسية، من بينهن غرينسبان، ورودريغيز بيركيت، وماريا فرناندا إسبينوزا، وإيفون باكي، إلى جانب لانا نسيبة.
وفي المقابل، يمثل رافائيل غروسي وأولارا أوتونو أبرز الأسماء الرجالية المتبقية في المنافسة، بعد انسحاب الرئيس السنغالي السابق ماكي سال من السباق، وكذلك انسحاب ميشيل باشيليت من الترشيح.
ويعزز تقدم المرشحات في الجولات الأخيرة حضور خيار وصول امرأة إلى المنصب، لكن النتيجة النهائية تظل مرتبطة بمواقف الدول الأعضاء وتوازنات مجلس الأمن.
ما الذي ينتظر الأمين العام الجديد؟
ولا تقتصر أهمية اختيار الأمين العام المقبل على كونه انتقالاً إدارياً في قيادة الأمم المتحدة، بل يأتي في مرحلة تواجه فيها المنظمة تحديات متزايدة تتعلق بالحروب والنزاعات، وتراجع التمويل، والخلافات بين القوى الكبرى، إلى جانب تصاعد المطالب بإصلاح منظومة العمل الدولي.
وبالنسبة للسودان، تكتسب عملية الاختيار أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب والأزمة الإنسانية، والحاجة إلى دور أممي فاعل في دعم جهود السلام، وحماية المدنيين، والتعامل مع تداعيات النزاع، مع احترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.
ومن المنتظر أن تتواصل المشاورات داخل مجلس الأمن خلال الأسابيع المقبلة، وصولاً إلى اختيار المرشح الذي يحظى بالتوافق المطلوب، ثم رفع توصية رسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماده أميناً عاماً جديداً اعتباراً من الأول من يناير 2027.
وبين تقدم غرينسبان، واستمرار حضور غروسي ورودريغيز بيركيت، ودخول نسيبة على خط المنافسة، يبقى السباق مفتوحاً على احتمالات متعددة، فيما تترقب الدول الأعضاء هوية الشخصية التي ستقود المنظمة الدولية في السنوات المقبلة.





