مقالات

أراد أن يحارب الإسلام بكتاب… فانتهى إلى نصرته

 

قد يبلغ الإنسان من العداء للحق مبلغًا يجعله يكرّس جهده لمحاربته، ثم يقوده البحث نفسه إلى الإيمان بما كان يحاربه. وصدق الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].

في هولندا، كان يورام فان كلافيرين (Joram van Klaveren) نائبًا في البرلمان عن حزب الحرية الذي يقوده خيرت فيلدرز، ومن أشد معارضي الإسلام. دعا إلى حظر القرآن وإغلاق المساجد، وشارك في الترويج لشعارات تصف الإسلام بأنه «كذبة»، والقرآن بأنه «سم». ولم تكن تلك آراء عابرة، بل مواقف سياسية دافع عنها سنوات.
وبعد مغادرته العمل البرلماني، شرع في تأليف كتاب يجمع فيه حججه ضد الإسلام، قاصدًا تدعيم مواقفه السابقة. لكنه حين تعمق في البحث، وقرأ المصادر الإسلامية، وناقش علماء مسلمين، وجد أن كثيرًا من قناعاته لا يصمد أمام ما اكتشفه. وكان من أبرز من حاورهم العالم البريطاني عبد الحكيم مراد، الأستاذ بجامعة كامبريدج، الذي أجاب عن تساؤلاته وأرشده إلى مصادر معرفية، رغم مواقفه السابقة المعادية للإسلام.

وهنا وقعت المفارقة المدهشة: الكتاب الذي أراده للطعن في الإسلام تحول إلى مناقشة الاعتراضات عليه، وصاحبه الذي سعى إلى إثبات بطلانه انتهى إلى اعتناقه في ٢٦ أكتوبر ٢٠١٨، وأعلن ذلك في فبراير ٢٠١٩. ثم نشر كتابه بعنوان «مرتد: من المسيحية إلى الإسلام في زمن العلمنة والإرهاب» (Apostate: From Christianity to Islam in Times of Secularisation and Terror)، يروي فيه رحلته الفكرية والدينية.
ولم تكن القصة رواية مجهولة المصدر؛ فقد وثقتها وسائل إعلام دولية، منها دويتشه فيله والغارديان، التي نشرت في ٤ أبريل ٢٠٢٤ تقريرًا عن تحوله، بعدما أصبح يسعى إلى تصحيح الصورة السلبية عن الإسلام التي أسهم سابقًا في نشرها. وقد أقر بمسؤوليته عن تلك المواقف، وبأن تجربته كشفت له أثر الأحكام المسبقة التي كان يرددها.

وليس فان كلافيرين حالة منفردة؛ فقد سبقه السياسي الهولندي أرنود فان دورن، الذي كان من معارضي الإسلام قبل اعتناقه عام ٢٠١٣. وكذلك البريطاني جون أورد، الذي روى لصحيفة الغارديان عام ٢٠٠٥ كيف انتقل من النشاط في أوساط اليمين المتطرف ومعاداة المسلمين إلى اعتناق الإسلام، بعد رحلة بدأت بقراءة القرآن بحثًا عما يؤيد عداءه له.
وما أعجب تقلب القلوب! هذا يقرأ القرآن بحثًا عن حجة ضده، وذاك يؤلف كتابًا للطعن في الإسلام، فإذا بالبحث يقودهما إلى مراجعة ما اعتقداه. وفي ذلك ما يذكرنا بقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ الأسوة؛ فحين آذاه أهل الطائف، وعُرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» [متفق عليه]. فلم يجعل عداوتهم نهاية المطاف، بل أبقى باب الرجاء في هدايتهم مفتوحًا.
إن العبرة من هذه القصص ليست أن كل معادٍ للإسلام سيعتنقه، وإنما أن الإنسان ليس أسيرًا أبديًا لقناعاته، وأن صدق البحث قد يقوده إلى غير ما أراد، وأن الحوار بالحكمة قد يفتح من القلوب ما تغلقه الخصومة. ولذلك قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

فلا تجعل ماضي الإنسان حكمًا نهائيًا على مستقبله، ولا تيأس من هداية من اشتدت عداوته، ولا تجعل غاية الدعوة الانتصار في الجدل بدلًا من هداية الناس. أحسن عرض الحق، وافتح أبواب المعرفة والحوار، واترك أمر القلوب لخالقها؛ فكم من إنسان خرج يبحث عن حجة يهدم بها ما يكره، فعاد وقد هدم الحجة التي كان يتكئ عليها. وصدق الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى