مقالات

عندما تنطفئ الكهرباء.. تنطفئ أرزاق البسطاء

هدى الخليفة النور

ليست الكهرباء مجرد أسلاك تمتد بين الأعمدة، ولا أضواء تملأ البيوت في عتمة الليل، بل هي شريان حياة تتوقف عليه أرزاق آلاف الأسر، ومصدر استقرار لمشروعات صغيرة لا تملك من مقومات الصمود سوى جهد أصحابها، وقليل من المال، وكثير من الأمل.
وحين تتعرض محطات الكهرباء للقصف والتدمير، فإن الخسائر لا تقف عند حدود المنشآت التي تضررت، ولا عند انقطاع التيار عن المنازل والمرافق العامة، بل تمتد لتضرب لقمة العيش في مقتل، وتضع أصحاب المهن والمشروعات الصغيرة أمام واقع أشد قسوة، حيث تتعطل أعمالهم، وتتبدد بضاعتهم، وتضيق أمامهم سبل كسب الرزق الحلال.
ولعل صناعة الآيسكريم السوداني، أو ما نعرفه بـ(الداردمة)، واحدة من أوضح الأمثلة على ذلك.

فخلف هذه الحلوى البسيطة التي اعتادها الصغار والكبار، تقف أسر كاملة تعتمد على إنتاجها وبيعها لتوفير احتياجاتها اليومية. هناك من يصنعها داخل منزله، ومن يبيعها في الأسواق والأحياء، ومن يتخذ منها مشروعًا صغيرًا يعينه على مواجهة أعباء الحياة، ويوفر لأبنائه لقمة العيش بكرامة.
هذه الصناعة، التي قد تبدو للبعض بسيطة وهامشية، تمثل مصدر دخل حقيقيًا لأسر لا تملك رأس مال كبيرًا، ولا تستطيع تحمّل خسائر متكررة. وهي تعتمد بصورة أساسية على الكهرباء في عمليات التبريد والحفظ، لأن انقطاع التيار لفترات طويلة قد يحوّل الإنتاج إلى خسارة، ويجعل ما أنفقته الأسرة من مال وجهد عرضة للضياع.

تخيّلوا أسرة استدانت لتشتري مستلزمات الإنتاج، وأمضت ساعات في إعداد الداردمة، ثم انتظرت أن تبيع إنتاجها لتسد حاجة أطفالها، فإذا بانقطاع الكهرباء يهدد بضياع كل شيء! كيف ستعوّض خسارتها؟ ومن أين ستأتي بالمال لتبدأ من جديد؟ وهل تملك أصلًا رفاهية الخسارة في بلد أنهكت الحرب أهله، وأثقلت كاهلهم الأزمات المعيشية؟
إنها ليست مجرد حبات آيسكريم ذابت بفعل غياب التبريد، بل ساعات من العمل، ومال جُمع بصعوبة، وأحلام صغيرة كانت تنتظر أن تكبر يومًا بعد يوم. إنها تعب أمّ تحاول إعانة أسرتها، وجهد أب يسعى إلى توفير احتياجات أطفاله، ومحاولة شاب اختار أن يعمل بدلًا من أن يستسلم للعجز والبطالة.
إن استهداف محطات الكهرباء لا يطفئ المصابيح وحدها، بل قد يطفئ مصادر الرزق، ويعمّق معاناة الفئات الأكثر هشاشة.

فالكهرباء ترتبط بحياة الناس اليومية، من حفظ الأغذية والأدوية إلى تشغيل الورش والمحال التجارية والمخابز ومشروعات الإنتاج المنزلي. وكلما طال انقطاعها، اتسعت دائرة المتضررين، خصوصًا أولئك الذين لا يملكون مولدات احتياطية، ولا يستطيعون شراء الوقود، ولا يملكون مدخرات تعينهم على تجاوز الخسائر.
وفي ظل الحرب التي يعيشها السودان، لا يحتاج المواطن إلى مزيد من الأعباء التي تسلبه ما تبقى له من قدرة على الاحتمال. فقد خسر كثيرون أعمالهم وممتلكاتهم، واضطر آخرون إلى البدء من الصفر، بينما يحاول أصحاب المشروعات الصغيرة التمسك بأي فرصة تحفظ لهم كرامتهم وتمنح أسرهم قدرًا من الاستقرار.

ومن هنا، فإن حماية محطات الكهرباء وإعادة تأهيلها ليست مسألة خدمية فحسب، بل قضية اقتصادية واجتماعية تمس حياة المواطن بصورة مباشرة. كما أن دعم أصحاب المشروعات الصغيرة، وتوفير بدائل الطاقة بأسعار معقولة، ومساندة الأسر المتضررة، كلها خطوات ضرورية للحد من الخسائر وحماية ما تبقى من مصادر الدخل.
ولا ينبغي أن نستهين بالمشروعات الصغيرة لأنها لا تحمل أسماء الشركات الكبرى، أو لأنها تُدار من داخل المنازل والأحياء الشعبية. فاقتصاد الأسر يبدأ أحيانًا من ثلاجة صغيرة، أو ماكينة متواضعة، أو عربة بيع بسيطة، لكنه بالنسبة إلى أصحابها يعني الكثير؛ يعني الطعام والدواء والتعليم، ويعني القدرة على الوقوف في وجه الفقر دون انتظار يد تمتد بالمساعدة.

إننا حين نتحدث عن الكهرباء، يجب ألا ننسى الإنسان الذي يقف خلف عدادها، ولا الأسرة التي تنتظر عودة التيار حتى تستعيد نشاطها، ولا العامل الذي يتطلع إلى يوم جديد يستطيع فيه أن يكسب قوته بعرق جبينه.
فالحرب لا تُقاس خسائرها بعدد المنشآت المدمرة وحدها، بل بما تتركه من وجع في حياة الناس، وما تسلبه من فرص العيش الكريم.
وفي نهاية المطاف، تبقى الداردمة أكثر من مجرد حلوى شعبية؛ إنها حكاية رزق بسيط، وكفاح أسرة، وأمل معلّق بعودة الكهرباء. وحين تتوقف هذه الصناعة الصغيرة، فإن الخسارة لا تكون في المنتج وحده، بل في مصدر دخل ربما كان يسند بيتًا كاملًا.
فرفقًا بأرزاق البسطاء، فهؤلاء لا يطلبون المستحيل، ولا ينتظرون ثروات تهبط عليهم من السماء؛ كل ما يريدونه أن تتاح لهم فرصة العمل، وأن يجدوا ما يعينهم على كسب قوت يومهم بكرامة.
فإذا انطفأت الكهرباء، فلا تدعوا الأمل ينطفئ في قلوب الذين لا يملكون سوى العمل ليعيشوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى