مقالات

جمال الكناني يكتب | الزكاة.. من لغة الدفاتر إلى لغة الدراما

لم يكن اللقاء الذي احتضنه فندق السلام روتانا بالخرطوم امس مجرد اجتماع يجمع مسؤولي ديوان الزكاة بالإعلاميين والدراميين وصناع المحتوى، بل طرح قضية تتجاوز حدود التغطية الإعلامية إلى جوهر العلاقة بين المؤسسة والمجتمع: كيف يمكن مخاطبة السودانيين عن الزكاة في زمن الحرب، وبأي لغة يمكن الوصول إلى وجدانهم وتعزيز ثقتهم؟

تحت عنوان «الزكاة في زمن الحرب»، نظمت أمانة الدعوة والإعلام لقاءً دعا خلاله الأمين العام لديوان الزكاة، الدكتور يحيى عبد الله القمراوي، إلى مراجعة الخطاب الإعلامي التقليدي، مؤكداً أن الإعلام شريك أصيل في عمل الديوان، وليس ضيف شرف، وأن مخاطبة جيل الميديا والدراما تتطلب أدوات جديدة تتجاوز لغة السبعينيات.

لم تكن الدعوة إلى تجديد الخطاب مجرد حديث عن تغيير الوسائل، بل إشارة إلى تحدٍّ أكبر تواجهه المؤسسات الخدمية في زمن الحرب؛ إذ لم يعد كافياً أن تعلن المؤسسة عن برامجها وأرقام أدائها، بل أصبح عليها أن تشرح للناس أثر ما تقوم به، وأن تجعل نتائج عملها أقرب إلى فهمهم وتجاربهم اليومية.

وبحسب ما طرحه القمراوي خلال اللقاء، فقد الديوان مقرات وممتلكات وأصولاً بسبب الحرب، واضطر إلى الانتقال من ولاية إلى أخرى، لكنه واصل عمله، وحافظ على مرتبات العاملين، ومضى في تنفيذ تدخلاته الاجتماعية والإنسانية. وشملت هذه الجهود، وفق حديثه، دعم التكايا ومراكز الإيواء، والمساهمة في برامج العودة الطوعية للسودانيين من مصر ويوغندا، مع الترتيب لعودة مواطنين من ليبيا.

هذه الأدوار، في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية وتزايد أعباء الحرب على الأسر السودانية، تضع أمام الديوان مسؤولية لا تتعلق بتقديم المساعدة وحدها، بل بكيفية توثيق أثرها وإيصاله إلى المجتمع بصورة واضحة ومقنعة.

وهنا تبرز الفكرة التي تستحق التوقف عندها: الانتقال من ثقافة الأرقام وحدها إلى ثقافة القصة الإنسانية. فالزكاة ليست حصيلة تُسجل في الدفاتر فحسب، وإنما يمكن أن تظهر في حكاية أسرة استعادت قدرتها على توفير احتياجاتها، أو طفل عاد إلى مقعد الدراسة، أو امرأة وجدت في مشروع صغير بداية لطريق جديد نحو الاستقرار.

مثل هذه القصص تمنح الأرقام معنى إنسانياً، وتجعل أثر العمل الاجتماعي أكثر قرباً من الناس. فالدراما والصورة والمحتوى الرقمي تملك قدرة على تبسيط الرسائل المعقدة، وتقديمها في قوالب تصل إلى شرائح مختلفة من المجتمع، خصوصاً الأجيال التي لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها قادرة على الوصول إليها.

وفي هذا السياق، فتح الأمين العام الباب أمام إنتاج أعمال درامية قصيرة وهادفة تعرّف بشعيرة الزكاة وتبرز أثرها في المجتمع، مستشهداً بتجربة «خيمة الزكاة» التي أُقيمت في سوق صابرين بأم درمان خلال رمضان الماضي، والتي أشار إلى أنها وجدت تفاعلاً لدى المواطنين من خلال مخاطبتهم في محيطهم اليومي وباللغة التي يفهمونها.

غير أن نجاح هذه الخطوة لن يتوقف على جودة الأعمال الدرامية أو قدرتها على جذب المشاهدين وحدها، بل على مدى ارتباط الرسائل المقدمة بالواقع. فالقصة المؤثرة تستطيع أن تفتح باب الاهتمام، لكن استمرار الثقة يحتاج إلى معلومات واضحة عن أوجه الصرف، ومعايير اختيار المستحقين، والنتائج التي تحققها البرامج والمشروعات.

ومن هنا، فإن تطوير الخطاب الإعلامي ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أن الزكاة وصلت إلى مستحقيها، بل يريد أن يفهم كيف وصلت، وما الأثر الذي أحدثته، وكيف يمكن التحقق من نتائجها. وعندما تتكامل القصة الإنسانية مع المعلومات الموثوقة، تصبح الرسالة أكثر قدرة على الإقناع والاستمرار.

وقد برزت خلال اللقاء دعوات إلى تجاوز التعقيد في مخاطبة الجمهور، والاستفادة من أدوات الإعلام الحديث والدراما وصناعة المحتوى. وهي دعوات تضع أمام الديوان فرصة لتوسيع دائرة التواصل مع المجتمع، على أن تكون المشاركة الإعلامية قائمة على نقل الحقائق وشرح النتائج، لا الاكتفاء بتجميل الصورة المؤسسية.

وفي موازاة ذلك، يمثل التحول الرقمي الذي تحدث عنه القمراوي، بما يشمل الرقم التعريفي الموحد والربط الشبكي وتدريب الكوادر، جانباً مهماً من تطوير الأداء الإداري. غير أن التقنية، مهما بلغت أهميتها، لا تحقق غايتها كاملة ما لم تنعكس على تجربة المواطن، من خلال تسهيل الإجراءات، وتحسين الوصول إلى المعلومات، وتعزيز القدرة على متابعة الخدمات والبرامج.

وإذا كانت ولاية النيل الأبيض قد قدمت، بحسب ما ورد في اللقاء، نموذجاً في التحصيل عبر نظام «إيصالي»، فإن التحدي أمام المركز لا يقتصر على تطوير أدوات التحصيل، بل يمتد إلى بناء خطاب يشرح فلسفة الزكاة وأثرها، ويقرب المسافة بين المؤسسة والمجتمع.

إن الزكاة، بوصفها شعيرة دينية وأداة للتكافل الاجتماعي، لا تحتاج إلى خطاب مؤثر فحسب، وإنما إلى خطاب صادق يستند إلى أداء يمكن توضيحه ونتائج يمكن قياسها. وهنا تستطيع الدراما أن تؤدي دورها الحقيقي: أن تجعل أثر الزكاة مرئياً ومفهوماً، وأن تنقل تجربة المستفيد من حدود التقرير الرسمي إلى مساحة أوسع من التفاعل الإنساني.

فهل ينجح ديوان الزكاة في عبور المسافة بين الدفتر والكاميرا؟ لقد فتح لقاء روتانا باب النقاش حول ضرورة تجديد الخطاب، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الديوان على تحويل هذه الدعوة إلى أعمال ملموسة، تجمع بين قوة الرسالة وشفافية الأداء، وتجعل المواطن يرى أثر الزكاة في حياة الناس، لا يسمع عنه في التقارير وحدها.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى