إشتياق الكناني تكتب | حتى أموالك تحتاج إلى واسطة

ما يفعله بنك الخرطوم بالمواطنين كل يوم هو رحلة معاناة شاقة ومتعبة، تشبه إلى حد بعيد المعاناة الإجبارية المستمرة التي يخضع لها العميل من طرف واحد، بينما لا يحصل من البنك سوى على رسائل اطمئنان، دون أي حل حقيقي لهذه المشكلة المستعصية.
حملتني أقدامي بالأمس إلى عيادة الطبيب، وحين وصلت لإكمال إجراءات دخولي للعلاج، سألني المسجل: «حظك كيف مع بنكك؟». قلت ليه: «على البركة!». وهكذا بدأت رحلة المعاناة التي استمرت ساعة كاملة، قضيتها مع عدد كبير من المرضى ومرافقيهم، ونحن نتراص في انتظار إكمال معاملاتنا المالية حتى نتمكن من الدخول للعلاج.
فالمرض لا يعرف أن التطبيق واقف، ولا ينتظر حتى تُحل مشكلات البنك. وليس أمامك غير الدعاء والاستجداء من التطبيق، لعله يحن عليك ويكمل معاملتك الطبية، حتى تتمكن من الوصول إلى الطبيب الذي جئت من أجله.
كنا نفرح لبعضنا البعض إذا أكمل أحدنا معاملته المالية، وكأننا حققنا إنجازًا كبيرًا، لكن الصفوف لا تنقص، بل تزيد، ويزيد معها سخط الناس وغضبهم من هذه المعاملة القاسية، من بنك لا يبدو أنه يضع العميل وأولوياته في مقدمة اهتمامه، ولا يقدم له خدمة ترتقي إلى مستوى تطلعاته.
تخيل أن هذا الحال لا يقتصر على المستشفيات، وإنما أينما ذهبت تجد الرد نفسه: التطبيق واقف، والكاش غير متوفر!
وكل ذلك يحدث في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ومع قرار حكومة الأمل بتغيير العملة مرة أخرى، وما يصاحبه من ضغوط إضافية على المواطنين الذين أنهكتهم تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار.
كأن هذه الحرب لم تكسر المواطن بما يكفي، ولم تجعله نازحًا أو لاجئًا، يعود اليوم ليحاول ترميم ما تبقى من أطراف منزله، أو يستأجر مكانًا داخل العاصمة يحميه من شظف العيش ومشقة الإقامة بعيدًا عن بلده، ليكتشف أن المعاناة لم تنتهِ بعودته، وأن هناك سلسلة أخرى من المتاعب تنتظره في تفاصيل حياته اليومية.
لو كان هناك من يرحم المواطن ويهوّن عليه شقاء الحياة، فإن أبسط ما يمكن تقديمه له هو أن يستطيع استخدام أمواله بسهولة، وأن يوفر بها متطلبات حياته اليومية والمعيشية دون أن يقضي ساعات من عمره في انتظار تطبيق لا يعمل، أو يبحث عن كاش لا يجده.
**ارحموا هذا المواطن!** فقد تذلل كثيرًا من أجل أن يستخدم أمواله التي أودعها أو ادخرها في البنك، وكان الهدف من إيداعها أن يجدها وقت حاجته إليها، وأن تسهّل عليه حياته، لا أن تزيد من معاناته.
فهل أصبح استخدام الإنسان لأمواله التي يملكها ويحتاج إليها كل يوم معركة أخرى تُضاف إلى معاركه الكثيرة في هذه الحياة؟





