
كم كتبنا عن تعثر تطبيق «بنكك»، وكم كتب غيرنا، وكم شكا الناس وتألموا، ولا حياة لمن تنادي. فلا التطبيق عاد إلى استقراره، ولا المعاناة انتهت، بل لا يزال في أوقات كثيرة أقرب إلى التعطل منه إلى الخدمة.
ولن نعيد هنا الحديث عن أضرار ذلك؛ فقد فصلناها من قبل، وكتب فيها غيرنا، وهي فوق ذلك مما يعلمه ويعيشه كل من تعطلت حاجته أو معاملته. لكن ما يستحق الوقوف عنده اليوم ليس العطل وحده، وإنما الصمت الذي يحيط به.
فالمصيبة أن تتعطل خدمة بهذا الحجم، لكن الأشد وقعًا وإثارةً للقلق أن يستمر التعطل ويتكرر، ثم لا يجد المواطن بيانًا واضحًا يشرح له: ما الذي يحدث؟ ولماذا؟ وما الذي يُفعل لإصلاحه؟ ومتى يُرجى أن تستقر الخدمة؟
فالناس لا يطلبون كشف أسرار فنية، ولا معلومات تمس أمن النظام المصرفي، ولا وعدًا بما لا يمكن ضمانه. إنهم يطلبون أبسط حقوقهم: أن يُحترموا بما يكفي ليُقال لهم ما الذي يحدث للخدمة التي يعتمدون عليها في الوصول إلى أموالهم وتسيير شؤون حياتهم.
وحين يغيب البيان، تنتشر الشائعات والتخمينات وتكثر الأسئلة: هل هي صيانة؟ أم تحديث؟ أم خلل فني استعصى إصلاحه؟ أم مشكلة في الاتصالات؟ أم أن هناك أسبابًا أو قرارات أخرى لا يعرفها الناس؟ وقد تكون بعض هذه الاحتمالات صحيحة أو خاطئة، لكن المسؤول عن قطع الطريق على التخمين هو من يملك الحقيقة ولا يبينها.
بل إن غياب التوضيح قد يصبح أشد إيلامًا من العطل نفسه؛ لأن العطل يقول للمواطن إن هناك مشكلة، أما الصمت الطويل فيبعث إليه برسالة أخطر: أن معاناته وأسئلته ربما لا تستحق حتى أن يُخاطب بشأنها.
وهنا مكمن القلق الحقيقي. فالدولة والمؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على منع الأخطاء والأعطال، فذلك قد يتعذر أحيانًا، وإنما تُقاس كذلك بكيفية تعاملها معها: هل تعترف بالمشكلة؟ هل تشرحها؟ هل تحترم المواطن؟ هل تخبره بما تفعل؟ وهل تتحمل مسؤوليتها أمامه؟
فإذا عجزت مؤسسة عن إصلاح خلل سريعًا، قد يجد الناس لذلك عذرًا؛ أما أن تعجز حتى عن بيان ما يحدث، فذلك أصعب فهمًا وقبولًا.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقف عند بنك الخرطوم، بل تمتد إلى بنك السودان المركزي والجهات العليا المسؤولة عن النظام المصرفي. فحين تصبح خدمة مصرفية بهذا الحجم مرتبطة بحياة قطاع واسع من الناس، لا يجوز أن يظل اضطرابها المتكرر شأنًا داخليًا، ولا أن يبقى المواطن يبحث بنفسه عن تفسير لما يجري.
والأمر هنا يتجاوز «بنكك» إلى معنى أكبر وأخطر: إذا كان المواطن لا يجد من الدولة ومؤسساتها حتى البيان والتوضيح عندما تتعطل مصالحه بهذا الحجم، فكيف يُرجى أن يطمئن إلى قدرتها على بلوغ الإصلاح وتخفيف معاناته؟
فالبيان أسهل من الإصلاح، والتوضيح أقل كلفة من الحل، والاعتراف بالمشكلة هو أول الطريق إلى معالجتها. فإذا غاب حتى هذا الحد الأدنى، كان من الطبيعي أن يتضاعف قلق الناس؛ لأن الخوف عندئذ لا يعود من تعطل «بنكك» وحده، بل يمتد إلى سؤال أكبر: كيف تُدار شؤون الدولة برمتها بما ينفع الناس ويدفع عنهم الضرر، إذا كان حتى بيان ما أصابهم وشرح أسبابه أمرًا يتعذر الحصول عليه؟
وقد يكون لدى بنك الخرطوم تفسير مقنع، وقد تكون أسباب المشكلة خارجة عن إرادته جزئيًا أو كليًا، وقد يكون العمل جاريًا لمعالجتها، وقد لا يكون من ذلك كله أو بعضه شيء؛ فالناس لا يعلمون، وهذه هي المشكلة. وما لا يُقال للناس لا يمكن مطالبتهم بأن يتقبلوه أو يبنوا عليه ثقتهم.
ولذلك فإن المطلوب اليوم، إلى جانب إصلاح «بنكك»، أمر في غاية البساطة: قولوا للناس ماذا يحدث.
فهم أصحاب الأموال، وهم المتضررون، وهم الذين صبروا وانتظروا وكتبوا واشتكوا.
وحين لا تجد آلام المواطن حتى من يشرح له أسبابها، فإن السؤال لا يعود: متى يعمل «بنكك»؟ بل يصبح: متى يصبح لصوت المواطن وألمه ما يستحقانه من قيمة؟





