مقالات

كظمٌ وعفوٌ وإحسان

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

لا تغضب، ولا تحزن، ولا يشتد عجبك مما قد ترى وتسمع وتلقى من الناس؛ من جفاء بعد مودة، أو نكران بعد إحسان، أو أذى ممن لم يخطر ببالك أن يأتيك الأذى منه. فقد يكون صديقًا وثقت به، أو قريبًا أحسنت إليه، أو أخًا شقيقًا، بل قد يكون ولدًا من صلبك.

وليس في هذا دعوة إلى سوء الظن بالناس، ولا إلى إغلاق القلب دونهم، ولا إلى الإمساك عن الإحسان؛ وإنما إلى فهم طبيعة البشر، وألا تبني راحتك على افتراض أنهم سيردون الجميل بمثله، ولا تجعل إحسانك دينًا تنتظر سداده، ولا تربط طمأنينتك بوفاء أحد أو شكره.

فالوفاء عزيز، وحفظ الجميل متفاوت في النفوس. وقد يرزقك الله من يصدقك الود، ويحفظ العهد، ويذكر المعروف، فتلك نعمة جديرة بأن تعرف قدرها وتحمد الله عليها. أما أن تنتظر تمام الوفاء من كل من أحسنت إليهم، فقد تجعل نفسك أسيرًا لتوقعات لا يملك الناس دائمًا الوفاء بها، وتفتح على قلبك أبوابًا من الخيبة والحزن كان في وسعك أن تغلقها.

والقرآن العظيم يكشف لنا من طبائع البشر ما يغنينا عن كثير من العجب.
فيوسف عليه السلام لم يأته البلاء أول ما أتاه من عدو بعيد، وإنما من إخوته؛ جمعهم أب واحد وبيت واحد، ومع ذلك بلغ بهم الحسد أن يقولوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾، ثم ألقوه في غيابة الجب، وعادوا إلى أبيهم عشاءً يبكون.

وذاق يعقوب عليه السلام مرارة البلاء بسبب فعل بعض أبنائه؛ وهو الأب الذي رباهم ورعاهم، حتى امتد حزنه على يوسف أعوامًا، وقال الله تعالى في وصف حاله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
نبيٌّ ابتُلي في إخوته، وأبٌ نبيٌّ ابتُلي بفعل بعض أبنائه؛ فأي شيء بعد ذلك يجعلنا نظن أن قرب النسب وحده عصمة من الأذى، أو أن سابق الإحسان ضمان للوفاء؟
بل إن القرآن يضع أمامنا ما هو أبعد دلالة: حال الإنسان مع ربه.

خلق الله الإنسان من عدم، ورزقه وعافاه وستره، وأسبغ عليه من النعم ما لا يستطيع إحصاءه، ومع ذلك يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. وإذا نزل به الضر ألح في الدعاء، فإذا كشف الله عنه ما به قد ينسى حاله الأولى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

فإذا كان الإنسان قد يغفل حتى عن نعم ربه، إلا من هذبه الإيمان ووفقه الله للشكر، فلا ينبغي أن يدهشنا أن ينسى معروف إنسان مثله. وليس المقصود أن الجحود قدر لازم في كل إنسان، وإنما ألا نستغرب وقوعه، وألا نجعل توقع الوفاء شرطًا لإحساننا أو سلام قلوبنا.

ولكن القرآن لا يكشف لنا هذا الضعف البشري ليملأ نفوسنا تشاؤمًا، بل ليعلمنا كيف نعلو عليه. وهنا تأتي آية تكاد تختصر المنهج كله؛ إذ يقول الله تعالى في وصف المتقين:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

وتأمل هذا الارتقاء البديع في ألفاظ الآية ومعانيها:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾؛ تبدأ بأن تملك غضبك فلا يملكك، فلا تنطلق بك ثورة النفس إلى قول تندم عليه أو فعل لا يليق بك، ولا تجعل إساءة غيرك تستدرجك إلى أن تصبح مثله.
ثم ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾؛ وهي منزلة أعلى من مجرد حبس الغضب؛ فالمرء قد يكظم غيظه ويبقى في نفسه أثر الإساءة، أما العفو فتجاوز عنها حين يكون العفو خيرًا وأصلح.
ثم تأتي الغاية الأرفع: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

كظمٌ للغيظ، ثم عفوٌ عن الناس، ثم إحسان؛ وفوق ذلك كله ثمرة لا يعدلها ثناء الناس ولا شكرهم ولا مكافأتهم: محبة الله.
وهنا يتغير ميزان الإنسان كله. فلا يعود السؤال الأكبر: هل شكرني من أحسنت إليه؟ وهل رد إليّ الجميل؟ وهل حفظ ودي؟ بل يصبح السؤال الأرفع: هل أحسنت كما يحب الله أن أحسن؟ وهل أستطيع أن أسمو بنفسي حتى أكون من المحسنين الذين يحبهم؟

 

وما أبعد الفرق بين من يحسن منتظرًا كلمة شكر، ومن يحسن راجيًا محبة الله. الأول يضع شيئًا من سكينته في أيدي الناس؛ إن شكروه رضي، وإن جحدوه غضب وحزن. أما الآخر فقد رفع غايته فوق تقلب مواقف البشر؛ فإن شكروه حمد الله، وإن جحدوه لم يضع إحسانه، لأن الغاية التي قصدها لم تكن عندهم أصلًا.

وما أجمل المعنى المنسوب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تكافئ من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه». فليس انتصار الإنسان لنفسه أن يرد الإساءة بمثلها حتى يتشابه الفعلان، وإنما أن تبقى أخلاقه له، لا يملك المسيء أن ينتزعها منه.

ويجري في هذا المعنى البيت المشهور المنسوب إلى الإمام الشافعي:
لَمّا عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ
أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ
فالصفح قبل أن يكون راحة لمن عفوت عنه، تحرير لقلبك أنت؛ إذ لا يعود المسيء مقيمًا في نفسك، يشغلك حضوره في غيبته، ويستنزف يومك بما قال وفعل.

فأحسن لأن الإحسان خُلُق يحبه الله، وصِل رحمك لأن للرحم حقًا، وأوفِ لأن الوفاء من مكارم الأخلاق، وأعن من استطعت إعانته؛ ثم لا تجعل ثمن ذلك ثناءً تسمعه، أو شكرًا تنتظره، أو جميلًا تترقب أن يُرد إليك.
وإذا جحد أحد معروفك، فلا تندم على المعروف، ولا تجعل جحوده سببًا لأن تنقطع أنت عن الإحسان؛ ففضيلة الإحسان تظهر على أكمل وجوهها حين لا تكون مجرد مكافأة لإحسان سابق. وقد جاء في الهدي النبوي الحث على صلة من قطع، وإعطاء من حرم، والعفو عمن ظلم.

ويتأكد هذا المعنى في الأقربين والأرحام؛ فقد شكا رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال ﷺ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ».
يا لها من قاعدة تقلب ميزان المعاملة كله: أنت تصل وهم يقطعون، وتحسن وهم يسيئون، وتحلم وهم يجهلون؛ ومع ذلك لا تكون أنت الخاسر، بل معك من الله ظهير ما دمت على ذلك.

فليس كمال الصلة أن تصل من وصلك فحسب؛ وإنما أن يبقى خُلُقك نابعًا من مبدئك، لا تابعًا لمعاملة غيرك لك. من قطعك لا يلزم أن تقطعه، ومن حرمك لا يلزم أن تحرمه، ومن أساء إليك لا ينبغي أن تمنحه القدرة على أن يحولك من محسن إلى مسيء.
وهنا فرق دقيق ينبغي ألا يغيب: العفو شيء، وتمكين المسيء من تكرار إساءته شيء آخر.

فكظم الغيظ لا يعني السكوت عن الظلم، والعفو لا يعني السذاجة، وحسن الظن لا يعني تعطيل البصيرة، والإحسان لا يلغي الحزم. تستطيع أن تكظم غيظك وتحفظ حقك، وأن تعفو وتتعلم، وأن تصفح وتحذر، وأن تحسن وتضع الحدود حيث يجب أن توضع. وقد يكون العفو في موضع هو الخير، وقد يكون أخذ الحق أو منع الظالم من الاستمرار في ظلمه هو الأعدل والأصلح؛ وإنما الشأن ألا يتحول طلب الحق إلى حقد، ولا الحزم إلى انتقام، ولا إساءة غيرك إلى مبرر لأن تسيء أنت.

 

ولعل من ألطف ما يدركه الإنسان مع الأيام أن العفو لا يمحو الذاكرة، وإنما يمحو مرارتها؛ فقد تذكر ما وقع لتتعلم منه، دون أن تحمله في قلبك حقدًا، وقد تحذر ممن آذاك دون أن تتمنى له الأذى، وقد تحفظ المسافة بينك وبينه دون أن تقطع ما أمر الله بوصله.
وفي المقابل، إذا رزقك الله صديقًا صادقًا، أو قريبًا وفيًا، أو أخًا يحفظ ودك، أو ولدًا يعرف حقك ويذكر جميلك، فاعرف قدر هذه النعمة وأحسن حفظها؛ فإن من عرف أن الوفاء ليس أمرًا مضمونًا، كان بالأوفياء أعرف قدرًا وأشد حرصًا عليهم.

ولا تنسَ كذلك أن تنظر إلى نفسك بالميزان نفسه الذي تزن به الآخرين. فكما آلمك أن ينسى غيرك معروفك، فلعل معروفًا لغيرك عندك قد نسيته؛ وكما انتظرت كلمة شكر فلم تسمعها، فلعل إنسانًا أحسن إليك يومًا ولم يسمعها منك. ومن تمام الإنصاف أن يكون حديثنا عن الجحود بابًا لمحاسبة أنفسنا قبل محاكمة الناس.
وهكذا يستريح القلب: يحسن ولا يشترط، ويحب ولا يرهن سكينته بمن يحب، ويثق ولا يعطل بصيرته، ويعفو ولا يهدر حقه، ويصل وإن قوطع ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ويعلم أن البشر يذكرون وينسون، ويشكرون ويجحدون، ويقبلون ويدبرون؛ أما الله فلا يضيع عنده إحسان، ولا يخفى عليه معروف

.
فلا تغضب إن جُحد معروفك، ولا تحزن إن خذلك من أحسنت إليه، ولا يشتد عجبك إن جاءك الأذى من حيث كنت تنتظر الوفاء. اكظم غيظك، واعفُ حين يكون العفو خيرًا، وأحسن، واحفظ حقك وبصيرتك. فإن شكر الناس فنعمة، وإن جحدوا فلا تجعل جحودهم يسلبك خُلُقك ولا سلام قلبك.

ثم ارفع بصرك وغايتك فوق ذلك كله، ولا تجعل آخر أملك شكر إنسان، أو وفاءه، أو ثناءه؛ وإنما أعظم ما تسمو إليه أن تكون ممن قال الله فيهم:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وهل بعد محبة الله غاية؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى