مقالات

من القمح الكامل إلى الذرة.. (2 من 2) رغيف أوفر وصحة أفضل

بهدوء وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

استكمالًا لمقالنا السابق «رغيف الحبة الكاملة.. صحة أفضل واقتصاد أوفر (1 من 2)»، الذي دعونا فيه إلى إعادة النظر في صناعة الخبز نفسها، والانتقال من دقيق القمح الأبيض شديد التكرير إلى دقيق الحبة الكاملة، فإن هناك بابًا آخر لا يقل أهمية ينبغي ألا نغفله: أن نستفيد، بالتوازي، من الذرة السودانية في صناعة الخبز، لا باعتبارها بديلًا نظريًا نبدأ البحث عنه اليوم، وإنما استنادًا إلى تجربة سودانية خضناها بالفعل، ومرت بالبحث والتجريب والإنتاج والبيع، ثم توقفت بعد أن أثبتت إمكان نجاحها.

فإذا كان المقال السابق قد طرح سؤالًا: لماذا نستورد القمح أو ننتجه ثم نستبعد أجزاء مهمة من حبته لنحصل على الدقيق الأبيض؟ فإن السؤال المكمل هنا هو: لماذا يظل رغيفنا معتمدًا إلى هذا الحد على القمح، بينما نملك الذرة، وهي من أوسع حبوبنا انتشارًا وأعرقها حضورًا في غذاء السودانيين؟
هذه ليست دعوة إلى إقصاء القمح، ولا إلى فرض رغيف لا يقبله الناس، وإنما إلى توسيع خياراتنا الغذائية والاقتصادية: نستفيد من حبة القمح كاملة حين نستخدم القمح، ونُدخل الذرة المحلية في صناعة الخبز حيثما أمكن ذلك بجودة وطعم وقوام يقبلها المستهلك. فكل نسبة من الذرة المحلية تحل محل القمح المستورد تعني، في نهاية الأمر، قدرًا أقل من الاستيراد والنقد الأجنبي، وقدرًا أكبر من الطلب على إنتاج المزارع السوداني.

وقد واجهتنا منذ البداية حقيقة فنية معروفة: دقيق الذرة يختلف عن دقيق القمح في خصائصه، وأهم ذلك افتقاده شبكة الجلوتين التي تمنح عجين القمح قدرته على التماسك واحتجاز غازات التخمير وتكوين بنية الرغيف. ولذلك لم تكن المسألة أن نطحن الذرة ونضعها مكان القمح فحسب؛ فكلما ارتفعت نسبتها تغيرت خصائص العجين والرغيف، وكان لا بد من معالجة هذه المشكلة دون إغراق المنتج في سلسلة من المحسنات الصناعية.
ومن هنا بدأت رحلتنا في تجربة قائمة بذاتها، مستقلة عن التجارب السابقة التي أجراها مركز أبحاث الأغذية وغيره من الباحثين والجهات، وإن كنا قد استفدنا بطبيعة الحال من الخبرات والدراسات التي سبقتنا ومن نتائجها وما كشفت عنه من تحديات فنية. وقد شارك في تجربتنا علماء ومتخصصون، وتواصلنا خلالها مع باحثين داخل السودان وخارجه، وأرسلنا إليهم عينات من أصناف مختلفة من الذرة، وجربنا مواد طبيعية عديدة بحثًا عن مادة رابطة طبيعية آمنة غذائيًا تستطيع أن تعوض جانبًا من الوظيفة التي يؤديها الجلوتين في عجين القمح. ولم تنجح المحاولات الأولى، واستمر البحث والتجريب سنوات، حتى توصل العمل في نهاية المطاف إلى مادة رابطة أمكن بها تحقيق نتائج عملية جيدة.

ولم نقف عند نجاح التجربة في المختبر؛ فقد خضعت مكونات المادة الرابطة للفحص في جهات ومعامل داخل السودان وخارجه للتحقق من صلاحيتها للاستخدام الغذائي، ثم انتقلنا إلى التجارب التطبيقية والإنتاج الفعلي. واستطعنا إنتاج رغيف مخلوط من 50% دقيق ذرة و50% دقيق قمح مع نسبة محدودة من المادة الرابطة الطبيعية، فجاء الرغيف مقبولًا في الشكل والانتفاخ والمرونة والطعم، وأمكن كذلك تعديل نسبة الذرة بحسب نوع المنتج والخصائص المطلوبة.
ثم خرجت التجربة من نطاق البحث إلى الناس. أُنتج الخبز المخلوط بالفعل، ووُزِّع على المستهلكين عبر عدد من المنافذ في الخرطوم وبحري وأم درمان لأكثر من ثلاثة أشهر، ووجد قبولًا جيدًا. وعُرضت التجربة ونتائجها على جهات الدولة المختصة وعلى مجلس الوزراء في ذلك الوقت، وتذوقها المسؤولون وأبدوا اهتمامًا بها، كما صُنّع الرغيف في مخابز الهيئة الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة، وحصل المنتج على شهادات من الجهات الرسمية المختصة.

وقد كنت شخصيًا ممن تابعوا هذه التجربة منذ ولادتها؛ عايشت سنوات البحث والتجريب والتواصل مع العلماء، ثم مراحل التطبيق والإنتاج والبيع والقبول، حتى رأيتها بعد نجاحها تتوقف بدل أن تنتقل إلى صناعة واسعة مستدامة. ولهذا فإن حديثي عنها اليوم ليس استعادة لفكرة قرأتها أو مقترحًا نظريًا أطرحه، وإنما حديث عن تجربة عشت تفاصيلها ورأيت ما استطاعت أن تحققه.
والقيمة الحقيقية لهذه التجربة تتجاوز الرغيف نفسه. فإذا أمكن مثلًا أن يصبح نصف دقيق الرغيف من الذرة المحلية، فإن التوسع في إنتاجه يعني خلق طلب صناعي مستمر على الذرة، وزيادة سوق المزارع السوداني، وتحريك النقل والتخزين والتصنيع والخدمات المرتبطة بها، وفي الوقت نفسه تقليل كمية القمح المطلوبة بقدر ما تحله الذرة محله. وهكذا يتحول جزء من الأموال التي تخرج لشراء الغذاء من الخارج إلى دورة إنتاج ودخل داخل البلاد.

والذرة ليست محصولًا غريبًا نريد إقناع السودانيين به؛ فقد قامت عليها موائد أجيال في الكسرة والعصيدة وغيرهما، وتنتشر زراعتها في مناطق واسعة، وتتعدد أصنافها ومواسمها. وما نحتاج إليه ليس تعريف الناس بها، وإنما نقل محصول يعرفونه ويأكلونه أصلًا إلى صورة غذائية إضافية تناسب أنماط الاستهلاك الحديثة.
واليوم تبدو فرصة إحياء التجربة أفضل من ذي قبل؛ فقد تطورت تقنيات الطحن والعجن والخَبز، وتقدمت صناعة المكونات الغذائية الطبيعية، وأصبح بالإمكان إعادة اختبار المادة الرابطة والوصفات السابقة بأدوات علمية أحدث، وتحسين القوام والطعم والعمر التخزيني، واختيار أصناف الذرة والقمح ونسب الخلط المثلى لكل منتج، بدل افتراض أن رغيفًا واحدًا ونسبة واحدة ينبغي أن يناسبا الجميع.

وهنا يلتقي هذا المشروع مباشرة بما طرحناه في المقال السابق. فبدل أن تكون أمامنا معادلة ضيقة بين الخبز الأبيض أو خبز الذرة، يمكن أن نبني منظومة أوسع وأذكى: دقيق قمح من الحبة الكاملة، ورغيف قمح كامل، وخلطات مدروسة من القمح الكامل والذرة، ومنتجات ترتفع فيها نسبة الذرة إلى الحد الذي تسمح به الجودة والقبول، مع أقل قدر لازم من المواد الرابطة الطبيعية الآمنة.
وبذلك نجمع مكسبين في رغيف واحد: نستفيد من حبة القمح كاملة بدل أن نستبعد أجزاء نافعة منها، ونخفض في الوقت نفسه كمية القمح المطلوبة بإحلال جزء من الذرة السودانية محله. وكلما نجحنا في ذلك بجودة يقبلها المستهلك، أصبحت الفائدة صحية وغذائية واقتصادية وزراعية في آن واحد.

ولا ينبغي أن تعود التجربة بالطريقة القديمة نفسها، وإنما ينبغي أن تبدأ من حيث انتهت: تستعاد نتائجها ووثائقها وعيناتها وتركيبتها، وتخضع المادة الرابطة والمنتج من جديد للتحليل والاختبار وفق المعايير الحديثة، وتُجرى تجارب إنتاجية محكمة، ثم تحدد المنتجات ونسب الخلط وفق الجودة والتكلفة وقبول المستهلك، قبل الانتقال إلى الإنتاج التجاري الواسع.
لقد أنفقنا في السودان كثيرًا من الوقت والمال في البحث عن حلول، ثم تركنا بعض ما نجح منها يموت قبل أن يتحول إلى صناعة. وتجربة خبز الذرة واحدة من التجارب التي تستحق أن نعود إليها، لا لأن الماضي يجب أن يعود كما كان، وإنما لأن العاقل لا يبدأ من الصفر وفي يده تجربة سبقت ونجحت ويمكن للعلم الحديث أن يجعلها أفضل.
فإذا كنا نملك محصولًا محليًا يمكن أن يدخل في غذائنا اليومي بنسبة معتبرة، ويقلل اعتمادنا على القمح، ويوفر النقد الأجنبي، ويوسع سوق المزارع، فلماذا نظل ندفع ثمن ما نستطيع إنتاج جزء منه في أرضنا؟
نستفيد من القمح كاملًا حين نحتاج إليه، ونضع الذرة السودانية إلى جواره حيث تستطيع أن تحل محله؛ وبذلك يصبح الرغيف نفسه جزءًا من علاج اختلال اقتصادنا، لا مجرد عبء آخر عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى