
ظل السودان يدور طويلًا حول أسئلة تكاد لا تتغير: من يحكم؟ ومن يشارك؟ ومن يُقصى؟ وكيف توزع السلطة؟ ثم يأتي حوار بعد حوار، واتفاق بعد اتفاق، وانتقال بعد انتقال، بينما يبقى السؤال الأهم مؤجلًا: على أي دولة نتفق، وكيف نبنيها مستقرة عادلة منتجة وقادرة على خدمة مواطنيها؟
ومن هنا، في تقديري، ينبغي أن يبدأ أي حوار سوداني جاد.
فالأزمة لم تعد خلافًا سياسيًا تحله تسوية بين القوى المتنافسة، ولا حربًا تنتهي بمجرد إسكات البنادق، ولا أزمة اقتصادية يعالجها قرار منفرد؛ بل صارت أزمة دولة ومجتمع تراكم فيها الخلل في الحكم والمؤسسات وإدارة الموارد والعلاقة بين المركز والأقاليم والاقتصاد والخدمات والعدالة، حتى جاءت الحرب فكشفت هشاشة البناء كله. ولذلك لا يجوز أن يكون الحوار أضيق من الأزمة التي جاء لمعالجتها.
وإذا دخلنا حوارًا جديدًا بالعقلية القديمة فلن ننتج إلا دورة جديدة من الأزمة.
المطلوب أن ينقل الحوار السؤال من مَن يحكم؟ إلى كيف نحكم؟ ومن كيف نقسم السلطة؟ إلى ماذا ستفعل السلطة؟ وأن نتفق أولًا على قواعد الدولة ووظائفها وأولوياتها وبرنامجها، ثم تأتي ترتيبات الحكم في خدمة ما اتفق عليه، بدل أن تصبح المناصب والمصالح الذاتية والحزبية محور الحوار وغايته. فالحوار المطلوب ينبغي أن يكون حول الدولة كلها، لا حول السلطة وحدها، وأن يربط السياسة بالأمن والاقتصاد والمعاش والخدمات والعدالة والتنمية.
وفي صدر ما ينبغي أن يحسمه الحوار كيفية حسم الحرب وإنهائها بما يحفظ وحدة الدولة وسيادتها ويحمي المدنيين ويمنع تكرارها. فالحسم لا يعني نصرًا عسكريًا تتكرر بعده الحروب، ولا هدنة تؤجل القتال إلى موعد آخر، وإنما إنهاء الحالة التي تسمح بتعدد الجيوش ومراكز القوة، والوصول إلى دولة تحتكر القوة المسلحة عبر مؤسسة عسكرية وطنية واحدة منضبطة. والأصل أن تنتهي الحرب بأقصر السبل وأقلها كلفة على البلاد والعباد؛ فإن تعذر إنهاء التمرد سلميًا واستمر فرض السلاح على الدولة، يصبح الحسم العسكري ضرورة تفرضها طبيعة الصراع، لا رغبة في الحرب، وإنما لإنهائها ومنع إعادة إنتاجها.
ولا ينبغي للحوار، في المقابل، أن يجعل حسم الحرب شرطًا لبدء كل إصلاح؛ بل عليه أن يحدد ما يمكن فعله الآن بالتوازي معها. فالناس لا يستطيعون انتظار توقف الحرب للحصول على الماء والدواء والكهرباء والاتصالات والطرق والتعليم والوثائق والعمل، كما لا يجوز ترك مؤسسات الدولة وسجلاتها تتآكل حتى تنتهي الحرب. ولذلك ينبغي أن يحدد الحوار مسارين متوازيين: حسم الحرب وحماية الدولة والمجتمع، ووقف التدهور والشروع، حيثما أمكن، في الإصلاح دون انتظار حسمها.
وينبغي أن يكون الاتفاق على البيئة الاقتصادية الجديدة من صميم الحوار، لا ملفًا فنيًا يؤجل لما بعده. فليس المطلوب أن يتفاوض السياسيون على الحكم ثم يتركوا الاقتصاد للحكومة القادمة، وإنما أن يتفق الحوار على القواعد الكبرى: قانون نافذ، وشفافية ورقمنة، وإجراءات بسيطة، وتحرير منضبط للتجارة والاستثمار والعمل، وإزالة القيود والجبايات المعطلة، ومحاربة الفساد والاحتكار، وإطلاق الإنتاج والتصدير.
ويدخل في ذلك الاتفاق على معالجة سعر الصرف بمنهج واقعي وشفاف؛ فلا معنى لترتيبات سياسية جديدة بينما يظل جزء كبير من الاقتصاد يعمل في الظل. والمطلوب بيئة تجذب التحويلات والاستثمار، وتشجع الإنتاج والصادرات، وتجعل تداول العملات معلنًا وفق العرض والطلب، مع رقابة تمنع غسل الأموال والجريمة والتلاعب دون أن تخنق النشاط المشروع.
وكذلك ينبغي أن يجعل الحوار إصلاح مؤسسات الدولة ورقمنتها جزءًا من الاتفاق الوطني؛ لأن الدولة التي نريد بناءها لا يمكن أن تظل تعمل بالأدوات التي أسهمت في ضعفها. فالرقمنة وسيلة لضبط الإيرادات والمال العام والجمارك والضرائب والأراضي والمشتريات والخدمات، وتقليل الفساد والوساطة، وربط المؤسسات وقياس أدائها، بحيث يعرف المواطن أين معاملته، وتعرف الدولة أين مواردها وأين الخلل.
ولا يكتمل الحوار إذا اتفق على السياسة والاقتصاد وترك جراح المجتمع وراءه. فلا بد أن يجعل العدالة والمصالحة والتنمية المتوازنة من قضاياه المركزية: عدالة تحفظ الحقوق وتحاسب على الجرائم دون انتقام جماعي، ومصالحة تجبر الضرر وتعيد الثقة، وتنمية تجعل المواطن في كل إقليم يرى نصيبه من الدولة في الطريق والمدرسة والمستشفى والماء والكهرباء وفرصة العمل، لا في نصوص الاتفاق وحدها.
ثم ينبغي أن يتعلم أي حوار جديد من علة أفسدت كثيرًا مما سبقه: الفجوة بين الاتفاق والتنفيذ.
فلا يكفي أن يخرج الحوار بوثيقة جميلة ثم ينفض الجمع. كل بند يتفق عليه ينبغي أن يقترن بجهة مسؤولة، وزمن محدد، ومؤشر أداء، وآلية متابعة ومحاسبة معلنة. وهكذا يتحول الحوار من مناسبة سياسية إلى برنامج دولة؛ فالنجاح ليس بكثرة اللجان والتوقيعات، وإنما بربط الاتفاق بالتنفيذ، والتنفيذ بالقياس، والقياس بالمحاسبة.
وحتى علاقة السودان بالخارج ينبغي أن تكون من قضايا الحوار، لا بأن نتفق على حليف ونعادي آخر، وإنما بأن نتفق على قاعدة وطنية للعلاقات الخارجية: مصلحة السودان أولًا، والتعاون مع الجميع حيث تتحقق المصلحة المشروعة، ما لم يأبَ طرف ذلك أو يتخذ من السودان موقفًا عدائيًا أو يتآمر على أمنه وسيادته؛ فحينها تُدار العلاقة بما يحفظ مصالح البلاد وكرامتها وسيادتها. فالسيادة لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما يحميها داخل قوي، وقرار وطني موحد، ومؤسسات منضبطة، واقتصاد منتج.
وعندئذ لا يقاس نجاح الحوار بعدد المشاركين، ولا بطول بيانه الختامي، ولا بكثرة التوقيعات، ولا بالمناصب التي وزعها، وإنما بما اتفق عليه السودانيون لبناء دولتهم، وبقدرتهم على تحويل ذلك الاتفاق إلى واقع.
فالسودان لا يحتاج إلى مائدة أكبر لتقسيم ما تبقى من السلطة، وإنما إلى مائدة يتفق حولها السودانيون على كيف تُحسم الحرب، وكيف تُصان وحدة البلاد، وكيف تُبنى الدولة، وكيف يُدار الاقتصاد، وكيف تُصلح المؤسسات، وكيف تتحقق العدالة والمصالحة والتنمية، ومن يفعل ماذا ومتى وكيف يُحاسب.
والغاية أن يرسخ الحوار هذه الأصول حتى تصبح مسلمات وطنية مستقرة لا تعيد البلاد التفاوض عليها كلما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات: وحدة السودان وسيادته، ومؤسسة عسكرية وطنية واحدة، واحتكام الجميع إلى القانون والمؤسسات، والتداول السلمي للسلطة، وصيانة الحقوق، وإدارة موارد البلاد لمصلحة أهلها. وليختلف السودانيون بعد ذلك ما شاءوا في البرامج والمناهج ووسائل تحقيق الأفضل؛ فذلك هو الخلاف الطبيعي الذي تتسع له الدولة.
أما حمل السلاح خارج الدولة، أو تقويض وحدتها وسيادتها، أو الاستعانة عليها بمن يتآمر عليها، أو محاولة فرض الإرادة خارج القانون، فليست وجهة نظر سياسية تقابل بوجهة نظر أخرى، وإنما خروج على المسلمات التي يقوم عليها الوطن نفسه، لا تبرره خصومة سياسية ولا خلاف فكري أو منهجي مهما بلغ.
وهكذا ينتقل الحوار السوداني من سؤال «مَن سيحكم؟» إلى اتفاق وطني راسخ على كيف تُبنى الدولة التي تحكم الجميع بالقانون والمؤسسات، وتبقى أصولها فوق اختلاف الحكومات والأحزاب والأشخاص.





