مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (2 من 13): هل نملك ما تملكه المالديف… أم أكثر؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

رأينا في المقال السابق كيف حولت المالديف جزرها وشعابها ومياهها الصافية إلى صناعة سياحية تدر مليارات الدولارات. والسؤال الآن: هل يملك السودان من المقومات ما يتيح له بناء صناعة مماثلة، أم أن فرصته أوسع من ذلك؟
الإجابة تبدأ من البحر، لكنها لا تنتهي عنده.
فالمالديف أرخبيل يضم نحو 1,190 جزيرة موزعة على 26 أتولًا طبيعيًا؛ والأتول تكوين بحري على هيئة حلقة من الشعاب المرجانية، قد تقوم عليها جزر صغيرة، وتحيط بمياه داخلية. وأكثر من 99% من مساحة المالديف بحر.
أما السودان فلا يملك نسخة من المالديف، بل يملك شيئًا مختلفًا وأوسع: بيئة بحرية ذات قيمة عالمية، تتصل خلفها بجبال وصحراء ونيل وآثار وثقافات وتاريخ عريق. ولذلك فإن فرصة السودان لا تقوم على تقليد تجربة جزرية، وإنما على بناء منتج سياحي متعدد البيئات لا تتيحه الطبيعة الجغرافية للمالديف نفسها.

والدليل على قيمة ما نملكه في البحر ليس انطباعًا محليًا عن جمال الساحل. ففي البحر الأحمر السوداني تقع محمية سنجانب البحرية القومية ومحمية خليج دنقناب وجزيرة مكوار البحرية القومية، وقد أدرجتهما اليونسكو معًا على قائمة التراث العالمي عام 2016 لقيمتهما الطبيعية العالمية الاستثنائية.
فسنجانب، الواقعة على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل، تكوين مرجاني حلقي معزول تصفه اليونسكو بأنه الوحيد الشبيه بالأتول في البحر الأحمر. وتحيط به مياه عميقة، ويضم نطاقات متعددة للشعاب وأكثر من 300 نوع من الأسماك، إلى جانب القروش والدلافين والسلاحف، وتعده اليونسكو من المواقع المتميزة عالميًا للغوص بفضل صفاء مياهه وتنوعه ومشاهده تحت الماء.
أما دنقناب ومكوار، شمال بورتسودان، فتضمان منظومة من الشعاب وأشجار القرم الساحلية والأعشاب البحرية والشواطئ والجزر، وتوفر موائل للأطوم، وهو ثديي بحري عاشب يعرف أيضًا بعروس البحر، وللقروش وأسماك المانتا والدلافين والطيور وغيرها.

إذن نحن لا نتحدث عن شاطئ جميل يحتاج إلى بعض الفنادق، بل عن رأس مال طبيعي ذي قيمة عالمية موثقة.
ثم تبدأ أفضلية السودان في تنوع الفرصة عندما نغادر الساحل.
فخلف البحر توجد سواكن، وثقافة البجا، وجبال البحر الأحمر والصحراء، ثم يمتد المسار إلى النيل وآثار الحضارات السودانية. وإلى جانب موقع البحر الأحمر الطبيعي، يضم السودان على قائمة التراث العالمي جبل البركل ومواقع المنطقة النبتية، والمواقع الأثرية لجزيرة مروي.
وهنا تكمن الميزة الكبرى:
المالديف تستطيع أن تقدم للسائح بحرًا وجزرًا استثنائية، أما السودان فيستطيع أن يجعل البحر بداية رحلة تنتقل بعدها إلى الجبل والصحراء والنيل والحضارة والثقافة.
ولهذا فإن سؤال: «هل نملك ما تملكه المالديف؟» قد يكون أضيق من الحقيقة.
فنحن نملك في البحر موردًا عالمي القيمة، ثم نملك وراءه بيئات وتجارب متعددة يمكن أن تجعل المنتج السياحي السوداني أوسع وأطول إقامة وأكثر تنوعًا.

مقالات ذات صلة

لكن هنا يجب التفريق بين امتلاك الأفضلية في الموارد وتحويلها إلى أفضلية اقتصادية.
فالمالديف سبقت السودان بعقود في المنتجعات والطيران والنقل والتسويق والتدريب وجذب الاستثمار، ولذلك تتفوق علينا اليوم في الصناعة السياحية نفسها. أما نحن فما زلنا نملك قدرًا كبيرًا من الموارد من غير أن نحوله إلى منتج اقتصادي يوازي قيمته.
إذن ليست المشكلة أن فرصتنا أقل، بل أن قدرتنا على استثمار الفرصة لا تزال أقل.
وهذه مفارقة مهمة: فبقاء جانب كبير من البحر الأحمر السوداني بعيدًا عن البناء الكثيف حرمنا حتى الآن من عوائد ضخمة، لكنه منحنا في الوقت نفسه فرصة ثمينة لنخطط قبل أن يسبقنا العمران العشوائي إلى المواقع التي ينبغي حمايتها.

فالفرصة الأكبر لا تعني أن نبني في كل مكان، بل أن نعرف ما الذي نحميه، وما الذي نستثمره، وأين نقيم المنتجعات، وكيف نجعل المواقع الأشد حساسية مصدر جذب من غير أن تصبح مواقع إنشاء.
وأجمل موقع ليس بالضرورة أفضل مكان للبناء؛ فقد يكون بعض ما نملكه أثمن اقتصاديًا وهو محمي، يزوره السائح بضوابط ثم يعود إلى منتجعه في موقع ملائم قريب.
فالاستثمار الناجح لا يستهلك الأصل الذي يعيش من عائده.
وهكذا تكون الإجابة عن سؤال العنوان واضحة:
نعم، نملك بحرًا ذا قيمة عالمية، ونملك فوق ذلك تنوعًا طبيعيًا وتاريخيًا وثقافيًا يجعل فرصة السودان، من حيث الإمكانات، أوسع من فرصة الوجهة البحرية الخالصة.
لكن الإمكانات وحدها لا تصنع المليارات.
فالمالديف سبقتنا في الإدارة والاستثمار، أما نحن فلدينا فرصة أكبر في تنوع المنتج إذا عرفنا كيف نحمي مواردنا، ونربطها ببعضها، ونحولها إلى صناعة.
ويبقى السؤال الأصعب:
إذا كانت سنجانب ودنقناب ومكوار من أنفس ما نملك، فكيف نستثمر هذا الجمال دون أن يكون الاستثمار نفسه سببًا في تدميره؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«سنجانب ودنقناب ومكوار… نحمي الكنز لنستثمره».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى