مقالات

في خطاب البرهان.. سلامٌ لا يُعيد المليشيا إلى السلطة

همس البوادي|سعاد سلامة

لم تكن كلمة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة السودانية خطاباً احتفالياً عابراً بقدر ما كانت خطاباً سياسياً حمل رسائل واضحة إلى الداخل والخارج وحدد ملامح المرحلة المقبلة في السودان الذي يخوض واحدة من أخطر المعارك في تاريخه الحديث دفاعاً عن الدولة ووحدتها وسيادتها.

في وقت تتكاثر فيه المبادرات والوساطات والدعوات لإيقاف الحرب اختار البرهان أن يضع أمام السودانيين رؤية مباشرة تقوم على أن السلام يظل هدفاً استراتيجياً للدولة لكنه سلام لا يمكن أن يكون على حساب الوطن ولا على حساب مؤسساته ولا على حساب الدماء التي سالت دفاعاً عن السودان. فعبارته التي أكد فيها أن السلام لن يكون منقوصاً ولن يعيد المليشيا إلى السلطة لم تكن مجرد موقف سياسي وإنما إعلان لحدود المرحلة المقبلة والخطوط التي ترى الدولة أنها لا يمكن أن تتجاوزها.

لقد عانى السودانيون كثيراً من هذه الحرب التي أرهقت البلاد وأثقلت كاهل المواطنين ودفعت الملايين إلى النزوح وفقدان الأمن والاستقرار ولذلك أصبح مطلب السلام هو الحلم الأكبر لكل أسرة سودانية. غير أن السلام الذي يتطلع إليه الشعب ليس مجرد توقف للمعارك أو هدنة مؤقتة وإنما سلام يضمن عدم تكرار المأساة ويؤسس لدولة قوية وقادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها.

ومن هنا جاءت أهمية حديث البرهان الذي ربط بين السلام والحفاظ على الدولة لأن التجارب أثبتت أن التسويات التي تتجاهل جذور الأزمات أو تمنح الفرصة لعودة أسباب الصراع من جديد لا تصنع استقراراً دائماً بل تؤجل الانفجار إلى وقت آخر. ولذلك فإن الرسالة التي حملها الخطاب كانت واضحة ومفادها أن السودان يريد سلاماً ينهي الحرب لا سلاماً يعيد إنتاجها في ثوب جديد.

كما حمل الخطاب بعداً وطنياً مهماً من خلال الإشارة إلى المبادرة التي طرحتها مجموعة سودانية مستقلة للدعوة إلى حوار سوداني سوداني خالص وهي خطوة تعكس رغبة متزايدة في أن يكون السودانيون أنفسهم أصحاب القرار في رسم مستقبل بلادهم بعيداً عن التدخلات والضغوط الخارجية التي كثيراً ما ساهمت في تعقيد المشهد بدلاً من حله.
إن الحوار الوطني الحقيقي لا ينجح إلا إذا كان نابعاً من إرادة وطنية صادقة تستوعب التنوع السوداني وتضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية والجهوية والشخصية ولهذا فإن تأكيد البرهان على استعداد الدولة لتقديم الضمانات اللازمة للحوار دون التدخل في أجندته أو مخرجاته يحمل دلالة مهمة تؤكد أن المطلوب هو توفير المناخ المناسب للتوافق الوطني لا فرض رؤية بعينها على المشاركين.

وفي جانب آخر عكس الخطاب تمسك الدولة بمبدأ سيادة القانون عندما أوضح أن مشاركة أي طرف في الحوار لا تعني إعفاءه من المسؤولية القانونية أو إسقاط الحقوق المرتبطة بالقضايا الجنائية. فبناء السلام لا يتعارض مع العدالة بل إن العدالة تمثل أحد أهم أسس السلام المستدام لأن الشعوب لا تستطيع أن تطوي صفحات الصراع بصورة حقيقية ما لم تشعر بأن الحقوق محفوظة وأن القانون فوق الجميع.

كما أن حديث البرهان عن إشراك القوى الوطنية التي وقفت مع الدولة خلال الحرب في استكمال مؤسسات الحكم يعكس تقديراً للتضحيات التي قدمها السودانيون في مواجهة التحديات التي تعرضت لها البلاد. فهذه الحرب لم تكن معركة عسكرية فقط بل كانت اختباراً لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود وحماية الكيان الوطني من الانهيار
إن السودان يقف اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والمسؤولية الوطنية فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط في ميادين القتال وإنما في كيفية بناء الدولة بعد الحرب وكيفية تحقيق المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. وكل ذلك يحتاج إلى مشروع وطني جامع يضع السودان أولاً وأخيراً.
لقد جاءت كلمة البرهان في عيد الجيش لتؤكد أن باب السلام مفتوح وأن الحوار ممكن وأن التوافق الوطني مطلوب لكن في إطار يحفظ هيبة الدولة ويصون سيادتها ويمنع عودة السلاح إلى الحياة السياسية مرة أخرى. وهي رسالة تعبر عن تطلع قطاع واسع من السودانيين الذين يريدون مستقبلاً آمناً ومستقراً لأبنائهم بعيداً عن دوامة الحروب والصراعات.

وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد يبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه الرؤى إلى خطوات عملية تفضي إلى سلام عادل ومستدام يطوي صفحة الحرب ويفتح أبواب التنمية والإعمار ويعيد للسودان عافيته ومكانته ودوره التاريخي. فالأوطان لا تبنى بالبنادق وحدها وإنما تبنى أيضاً بالحكمة والتوافق والإرادة الوطنية الصادقة

فاصلة
وفي الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة بدت الرسالة واضحة وحاسمة نعم لسلام يحفظ السودان ويحمي وحدته ويصون سيادته ويحقق تطلعات شعبه ولا لسلام يعيد البلاد إلى دائرة الفوضى أو يمنح المليشيا فرصة جديدة للعودة إلى السلطة تحت أي مسمى أو أي اتفاق.
اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ السودان وأهله من كل سوء واجعل السلام والاستقرار عنوان المرحلة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى