النفايات… بين الفوائد والبوائق (2 من 4): من الزبالة إلى الثروة… كيف سبقت دولٌ العالم؟
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

رأينا في المقال السابق أن العالم ينتج مليارات الأطنان من النفايات، وأن سوء إدارتها يكلّف الإنسان والبيئة والاقتصاد أثمانًا باهظة. لكن جانبًا مما نرميه يمكن أن يتحول إلى مواد خام وطاقة وقيمة اقتصادية، حتى غدت النفايات في الدول التي أحسنت إدارتها جزءًا من الصناعة، لا مجرد عبء على البلديات.
والقاعدة الأولى ليست «تدوير كل شيء»، بل منع النفاية قبل إنتاجها، ثم تقليلها وإطالة عمر السلع وإصلاحها وإعادة استخدامها، فتدوير الممكن، ثم استرداد الطاقة من بعض المتبقي حين يكون ذلك مجديًا وآمنًا، وأخيرًا التخلص الصحي مما تعذر استرداده. فعدم إنتاج طن غير ضروري قد يكون أفضل من إنتاجه ثم محاولة تدويره. وهذا هو جوهر «هرم النفايات» الحديث.
وتبدأ القيمة من أبسط المخلفات؛ فبقايا الطعام والنبات والحيوان المناسبة يمكن تحويلها إلى سماد أو غاز حيوي، ويعود الورق والكرتون والزجاج والحديد والألمنيوم مواد أولية للصناعة، كما يمكن تدوير أنواع من البلاستيك متى كان ذلك مجديًا فنيًا واقتصاديًا وبيئيًا. ويمكن كذلك فرز مخلفات البناء واستخراج المعادن منها، واستخدام الخرسانة والطوب المكسَّرين في الطرق وبعض التطبيقات الإنشائية وفق المواصفات، كما تدخل بعض المخلفات الزراعية والحيوانية في إنتاج السماد والطاقة والفحم الحيوي وغيرها من المنتجات.
وتبرز النفايات الإلكترونية بوصفها «مناجم حضرية»؛ فالهواتف والحواسيب والأجهزة القديمة تحتوي النحاس والألمنيوم والحديد، فضلًا عن كميات صغيرة عالية القيمة من الذهب والفضة والبلاديوم ومعادن أخرى. وقد بلغ حجم النفايات الإلكترونية عالميًا نحو 62 مليون طن عام 2022، ولم يوثق جمع وإعادة تدوير سوى 22.3% منها بصورة سليمة، مما يكشف مقدار ما يهدر من مواد ذات قيمة وما ينشأ في الوقت نفسه من مخاطر بيئية.
لكن النجاح لم يتحقق بالمصانع وحدها. فقد بنت ألمانيا منظومة تقوم على الفصل والتدوير ومسؤولية المنتج عن العبوات، حتى أصبح دفن النفايات البلدية فيها محدودًا جدًا. وطورت كوريا الجنوبية أنظمة للفصل وربط رسوم بعض النفايات بالكميات المطروحة، إلى جانب تحميل المنتج جانبًا من مسؤولية ما يطرحه في السوق. وهذه الأدوات الاقتصادية مهمة؛ لأنها تجعل تقليل النفايات مصلحة للمستهلك والمنتج، لا مجرد موعظة بيئية.
أما اليابان فطورت نظمًا دقيقة لفرز ومعالجة أنواع مختلفة من النفايات، مع اعتماد كبير على الحرق المنضبط، ومنه منشآت تسترد الطاقة؛ ولذلك لا يصح اختزال تجربتها في إعادة التدوير وحدها.
وقد تراجع الاعتماد على المدافن في أجزاء واسعة من أوروبا مع التوسع في التدوير والاسترداد، لكن الحرق ليس إعادة تدوير ولا نجاحًا في ذاته؛ فالمحارق الحديثة مكلفة، وتحتاج ضبطًا صارمًا للانبعاثات والرماد، كما أن الإفراط في طاقتها الاستيعابية قد يتعارض مع هدف تقليل النفايات إذا أسيء التخطيط.
وتنتقل كذلك مواد ونفايات محددة بين الدول بغرض التدوير أو الاسترداد، لكن الفرق جوهري بين تجارة قانونية خاضعة للرقابة، وبين نقل النفايات الخطرة للتخلص منها حيث تكون الرقابة أضعف؛ وهي القضية التي سنتناولها في المقال القادم.
والقيمة الاقتصادية للنفايات لا تقتصر على ثمن الحديد أو البلاستيك المسترد؛ فالقطاع يخلق أعمالًا في الجمع والفرز والنقل والإصلاح والتدوير وإنتاج السماد والغاز الحيوي والخدمات الهندسية والبيئية، ويقلل استهلاك بعض المواد الخام والضغط على المدافن. كما أدخلت التكنولوجيا الوزن الإلكتروني وتتبع المركبات وقواعد البيانات والفرز الآلي والتعرف الذكي على المواد.
ومع ذلك، فقولنا إن «كل النفايات ثروة» غير صحيح؛ فبعضها ذو قيمة مباشرة، وبعضها لا يسترد إلا بتكلفة قد تتجاوز قيمته، وبعض النفايات الخطرة يظل عبئًا يجب الإنفاق على معالجته وعزله. والحكم السليم يكون بحساب دورة الحياة كاملة: تكلفة الجمع والنقل والطاقة والمياه والمعالجة والانبعاثات، في مقابل قيمة المواد المستردة والضرر البيئي المتفادى.
وفي السودان فرص كبيرة غير مستغلة في المخلفات الزراعية والحيوانية والعضوية، والحديد والألمنيوم والنحاس والبلاستيك والزجاج والورق، والأجهزة والبطاريات. ويمكن تنظيم جامعي المخلفات وربطهم بمراكز الفرز والتصنيع، بدل بقاء جانب كبير من هذا النشاط في دائرة العشوائية.
ولا يلزم أن نبدأ بأغلى التقنيات؛ فقد تكون محطة فرز جيدة، أو مصنع سماد منضبط، أو وحدة غاز حيوي مناسبة، أو مصنع تدوير بسيط يعمل باستمرار، أجدى من مشروع ضخم لا يجد كهرباء مستقرة أو خامات مفروزة أو سوقًا لمنتجه. فالاستثمار الصحيح يبدأ بمعرفة نوع النفايات وكمياتها وتكلفة جمعها وقيمة المنتج والسوق الذي سيشتريه.
لكن ازدهار هذا القطاع يحتاج إلى إصلاح البيئة الكلية: كهرباء ونقل وتمويل وتشريعات واضحة وإدارة ورقابة ومناخ استثمار مستقر، إلى جانب نظام جمع وفرز يضمن وصول المواد إلى المصانع بكميات ونوعيات معلومة. وهذا لا يعني انتظار الإصلاح الشامل؛ بل البدء الآن بالمشروعات المجدية، على أن يسير توسعها مع إصلاح الاقتصاد والإدارة والبنية الأساسية.
وحين نحسن ذلك، فإن ما ندفع اليوم للتخلص من بعضه قد يتحول غدًا إلى مادة خام تتنافس المصانع على شرائها. وهذه خلاصة الاقتصاد الدائري: ألا تنتهي قيمة المادة بانتهاء استعمالها الأول، بل تعود إلى دورة جديدة كلما كان ذلك ممكنًا وآمنًا ومجديًا.
لكن لهذه القصة وجهًا مظلمًا؛ فكلما ارتفعت تكلفة المعالجة الآمنة للنفايات السامة، ازداد إغراء من يقبض المال للتخلص منها ثم يلقيها سرًا في أرض بعيدة.
ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر صور الجريمة البيئية العابرة للحدود، وهي موضوع المقال القادم بإذن الله.



