
قبل نحو عامين، كتبت مقالًا بعنوان:” شكراً سيدي الرئيس.. أرجو أن تسافر للعلاج” . كان ذلك تعبيرًا عن قناعة بأن المرض لا ينبغي أن يصبح امتدادًا للخصومة السياسية، وأن للرجل الذي حكم السودان ثلاثين عامًا كامل الحق في العلاج والرعاية، وفق ما يكفله القانون والاعتبار الإنساني، مهما اختلف الناس حول تجربته. ولم يكن ذلك استدعاءً لمواقف سياسية ، بقدر ما كان موقفًا من قضية إنسانية ينبغي أن تبقى فوق الحسابات.
اليوم يعود الأمر بإلحاح أكبر بعد أن نقلت الأخبار، تدهور الحالة الصحية للرئيس السابق المشير عمر البشير، ونقله من مستشفى مروي إلى مستشفى علياء، وفق توصية الأطباء، لحاجته إلى رعاية وإمكانات أكثر تخصصًا.
ومن هنا يتجاوز الأمر حدود انتقال مريض بين مستشفيين، ليصبح اختبارًا لمسؤولية الدولة في التعامل مع رجل كان رئيسًا لها وقائدًا أعلى لجيشها، فيما انتهت قضيته القانونية والسياسية بعد انقضاء مدة الحكم .
قد يختلف السودانيون حول البشير اختلافًا لا يحتاج إلى شرح. فهناك من يراه مسؤولًا عن إخفاقات وأزمات سياسية واقتصادية وحروب امتدت سنوات، وهناك من يرى في عهده جوانب أخرى تتصل ببناء مؤسسات الدولة ومشروعات التنمية وتعزيز حضور القوات المسلحة وبسط الأمن.
بين الموقفين تاريخ طويل من الخلاف، لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يخلط بين العدالة والانتقام. فالمحاسبة، إن وُجدت، مكانها القضاء، والإجراءات القانونية تحكمها مؤسسات الدولة، أما العلاج فحق إنساني لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للعقاب أو المزايدة السياسية أو غيرها.
وهنا تحديدًا تبرز قيمة الدولة، التي تحترم نفسها لا تحتاج إلى إبقاء مريض في ظروف حرجة، لا تتناسب مع حالته الصحية كي تثبت أنها حازمة. والحزم الحقيقي ليس في حرمان الرجل من العلاج، وإنما في القدرة على توفير العلاج مع المحافظة على الإجراءات القانونية وضمانات العدالة.
لقد كان البشير ضابطًا في القوات المسلحة قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية، وظل ينظر له باعتباره ابنًا لهذه المؤسسة. وفي الثقافة العسكرية، للزمالة معنى يتجاوز الحسابات السياسية، فالقائد لا يُترك في لحظة الضعف، والجريح لا يتحول إلى خصم لمجرد أن المعركة انتهت. وهذه دعوة إلى استعادة واحدة من القيم التي تجعل المؤسسة العسكرية مؤسسة دولة.
من هنا يجب أن تتراجع المناصب والخلافات، ويبقى الإنسان، فقد نختلف حول البشير وسياساته، لكن المرض لا يميز بين رئيس وخصم ومواطن. وإذا قرر الأطباء أن علاجه خارج السودان ضرورة، فإن تمكينه من ذلك ليس منّة ولا تسوية سياسية، بل موقف إنساني يحفظ كرامة المريض. ويمكن للقانون أن يظل حاضرًا بضماناته وإجراءاته، دون أن يكون المرض عقوبة أخرى. فحين يضعف الإنسان، تظهر أخلاق الدولة.
وكما كتبنا في المقدمة، فإن مطالبتنا بعلاج المشير البشير ليست من باب الشفقة، بل من باب الوفاء لرجل حكم البلاد ثلاثة عقود، وحافظ خلال عهده على وحدتها وأمنها واستقرارها، رغم الأطماع والضغوط والصراعات. ومن حق السودانيين أن يختلفوا حول تجربته، لكن ذلك لا يمحو ما أنجزه لصالح الدولة في نظر مؤيديه وقطاعات واسعة من السودانيين. وأقل أشكال الوفاء لرجل أمضى عمره في خدمة الدولة أن تحفظ له الدولة حقه في العلاج، وأن تترك للتاريخ والسياسة مهمة تقييم تجربته.
ومن هنا، بحسب #وجه_الحقيقة، فإن علاج الرئيس ليس منّةً ولا شفقة، بل وفاءٌ لرجل بقي في ذاكرة كثير من السودانيين “إبن بلد” ثابت المواقف، لم يساوم على السودان ولم يرهن قراره ولم يجعله عرضة للابتزاز. اختلف الناس معه في السياسة، لكن ذلك لا يمحو ما يرونه له من مواقف في حفظ الدولة وسيادتها. وأقل الوفاء أن تُحفظ له كرامته وحقه في العلاج، فالدولة التي تعرف قدر رجالها لا تجعل المرض ثمنًا للخلاف السياسي.. دعواتنا لكم سيدي الرئيس بموفور الصحة وعاجل الشفاء.
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com





