مقالات

الخرطوم بعد التحرير.. صمود بين الركام

بقلم: فخرالدين الطيب المك

لا يُبنى الوطن بغير أيدي بنيه، ولا تُسدَّد الديون لأرض النيل إلا حين يعود إليها أهلها ليُعيدوا للحياة نبضها. إن الخرطوم، تلك العاصمة التي تحملت ويلات الحرب وشهدت أقصى درجات الدمار والخراب، يقف تاريخها اليوم عند نقطة فارقة: لحظة التحرير وبداية معركة البناء.

لقد تركت الحرب أثراً ثقيلاً على ملامح العاصمة؛ شوارع أضناها الدمار، ومؤسسات عاث فيها الخراب، وبنية تحتية تحتاج إلى نَفَسٍ جديد. لكن التحرير ليس مجرد نهاية للقتال، بل هو بداية لمعركة أشد خطورة وأعظم أثراً، وهي معركة التعمير والإعادة. الخرطوم اليوم لا تنتظر منا الرثاء، بل تتطلع إلى أيدي أبنائها لترفع عنها غبار الحرب وتُعيد إليها رونقها.

إن الدور الأكبر والأسرع أثراً يقع على عاتق المواطن، فالعودة ليست خياراً مؤجلاً، بل هي الواجب الأول لمرحلة ما بعد التحرير:

لا ينبغي أن ننتظر حتى تتغير الملامح لنعود، بل يجب أن نعود لنُغيرها بأيدينا. عودة الأسر والتجار والصناع والمهنيين هي الكفيلة بإعادة نبض الحياة للأسواق والأحياء.

تشكيل لجان تطوعية في كل حي لتنظيف الشوارع، ورفع الركام، وإزالة آثار الدمار، وطمس التشوهات الضاربة في جسد المدينة.

مد يد العون للجيران والحي الواحد، وتشارك الموارد المتاحة لتسهيل استقرار العائدين الجدد.

إذا كان المواطن هو الروح التي تُعيد الحياة، فإن الدولة هي العمود الفقري الذي يُسند هذه العودة، والمطلوب منها خطة عمل ميدانية وسريعة تشمل:

إزالة العوائق والمخلفات الخطرة من الطرق الرئيسية والفرعية لضمان سلامة العائدين وسلاسة الحركة.

إعطاء الأولوية القصوى لإعادة شبكات المياه والكهرباء، وتشغيل المستشفيات والمراكز الصحية.

إطلاق حملات كبرى لجمع وتدوير أنقاض الدمار، ووضع خطط سريعة لتجميل الميادين والمباني الحكومية لرفع الروح المعنوية.
تقديم تسهيلات وإعفاءات تشجيعية لأصحاب المحال التجارية والأعمال لإعادة فتح منافذهم وتنشيط عجلة الاقتصاد المحلي.

إن تغيير شكل الخراب والدمار لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة صلبة وسواعد متكاتفة. الخرطوم التي عرفناها زاهية قوية ستعود أبهى مما كانت، بشرط أن يسبق العمار في نفوسنا العمار في أحجارنا، وأن نُلبّي جميعاً نداء العودة والعمل.

انتظرونا… المك

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى