
ليست عودة القصر إلى أحضان الوطن مجرد عودةٍ لمبنى أو رمزٍ معماري، وليست استعادةً لمكانٍ ارتبط في الذاكرة السودانية بمحطاتٍ مهمة من تاريخ الدولة؛ إنها في معناها الأعمق، عودةٌ للسيادة، واستعادةٌ لهيبة الدولة، وتأكيدٌ على أن مؤسسات الوطن ومقدراته يجب أن تظل ملكًا للشعب السوداني.
فالأوطان لا تُقاس بمبانيها، وإنما بما تمثله هذه المباني من معانٍ ودلالات. والقصر الجمهوري، بما يحمله من رمزيةٍ تاريخية، ظل شاهدًا على مراحل مختلفة من تاريخ السودان، ولذلك فإن عودته ليست نهاية معركة، وإنما بداية مسؤولية أكبر.
السيادة الحقيقية لا تعني فقط أن ترفرف راية الوطن فوق مؤسساته، بل أن تكون إرادة الدولة مستقلة، وقرارها وطنيًا، ومؤسساتها قادرةً على أداء واجبها، وحدودها مصونة، وثرواتها محفوظة، ومواطنها آمنًا كريمًا.
ومن هنا، فإن عودة القصر ينبغي أن تكون رسالةً تتجاوز الجدران إلى كل مؤسسات الدولة: لقد حان وقت عودة الدولة إلى مسارها الطبيعي.
عودة المؤسسات، وعودة القانون، وعودة الخدمة المدنية، وعودة الجامعات، وعودة الإعلام الوطني، وعودة الحياة إلى المدن والقرى، وعودة النازحين والمهجّرين إلى ديارهم؛ فهذه كلها أجزاءٌ من عودة السودان إلى نفسه.
إن السودان لا يحتاج إلى استعادة رموزه فقط، بل يحتاج إلى استعادة مشروعه الوطني؛ مشروعٌ يجعل الدولة فوق الأشخاص، والمؤسسات فوق المصالح، والوطن فوق الانتماءات الضيقة.
ولذلك، فإن أجمل صورةٍ لعودة القصر هي أن تتزامن معها عودة الأمل إلى قلوب السودانيين ، وعودة الأمن إلى الشوارع، وعودة التعليم إلى المدارس والجامعات، وعودة الاقتصاد إلى الإنتاج، وعودة الثقة بين المواطن والدولة.
عودة القصر يجب أن تكون عودةً للسيادة، وعودة السيادة يجب أن تكون عودةً للوطن.
فإذا عاد القصر وبقيت الدولة ضعيفة، لم نحقق إلا عودة المكان. أما إذا عاد القصر وعادت معه مؤسسات الدولة وهيبتها ووحدتها وقدرتها على حماية مواطنيها وصناعة مستقبلهم، فحينها يمكن أن نقول: لقد عاد السودان إلى طريقه.
إنها ليست عودة قصرٍ فحسب…
إنها عودة دولة، وعودة سيادة، وعودة وطن.
whba938@gmail.com





