الأخبارالسودان

طلعت دفع الله: السودان لا يطلب شفقة بل شراكة لاستعادة أرضه

الخرطوم| العهد اونلاين

 

وجّه البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، خبير البيئة والغابات، رسائل مهمة إلى وفد السودان المفاوض في مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية  الأمم المتحدة  لمكافحة التصحر، داعياً إلى أن تكون المشاركة السودانية في المؤتمر فاعلة ومؤثرة، وأن تعكس احتياجات البلاد في مجالات مكافحة التصحر والجفاف واستعادة الأراضي وحماية المراعي والغابات.

وقال البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، في ورقة مقدمة خلال ورشة تحديد أولويات السودان للمؤتمر، إنه يتحدث «بصوت من عمل في مجالي البيئة والغابات لأكثر من أربعة عقود»، مؤكداً أهمية أن يستند الوفد السوداني إلى العلم والأرقام والرواية الوطنية في طرح قضايا البلاد.

وينعقد مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في أولان باتور، عاصمة منغوليا، خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026، تحت شعار «استعادة الأرض.. استعادة الأمل»، بالتزامن مع السنة الدولية للمراعي والرعاة.

وأشار طلعت دفع الله إلى أن التوقيت يمثل فرصة مهمة للسودان، في ظل تصدر قضايا المراعي والجفاف واستعادة الأراضي الأجندة الدولية، مؤكداً أن السودان من أكثر البلدان حاجة إلى إيصال صوته في هذا المحفل.

التصحر والجفاف والأمن الغذائي

وأوضح الخبير البيئي أن التصحر والجفاف ليسا ملفاً بيئياً جانبياً في السودان، وإنما يمثلان جوهر الأمن الغذائي والسلم الاجتماعي.

وأشار إلى أن نحو 700 ألف كيلومتر مربع من الأراضي مهددة بالجفاف، وتنتج ما يقارب 90% من محاصيل الغذاء و85% من حطب الوقود، فيما تعاني أكثر من ثلثي مساحة البلاد، بين خطي عرض 10 و18 شمالاً، درجات متفاوتة من التدهور.

وأضاف أن الجفاف المتكرر حوّل المراعي والغابات إلى ساحات للتنافس، ودفع السكان إلى النزوح، وأضعف حزام الصمغ العربي والأحزمة الشجرية، مشدداً على أن هذه الحقائق يجب أن تكون حاضرة في أي مفاوضات تتعلق بالتصحر والبيئة في السودان.

ثلاثة أهداف للمشاركة السودانية

ويرى طلعت دفع الله أن المؤتمر يمثل فرصة لتحقيق ثلاثة أهداف عملية، تتمثل في ربط الجهود الوطنية بالتمويل والآليات الدولية، بما يشمل خطة الجفاف الوطنية، وبرنامج العمل الوطني لمكافحة التصحر، وأهداف الحياد من تدهور الأراضي، ومبادرة السور الأخضر العظيم.

كما دعا إلى إبراز أن استعادة الغابات والمراعي ليست مجرد تشجير، وإنما ترتبط بالاستقرار وسبل العيش والسلام، إلى جانب الدفاع عن أولويات أفريقيا والدول الأقل نمواً في مجالات التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، دون فرض شروط تضعف السيادة الوطنية على الموارد.

أولويات يجب أن تكون في صلب الإعداد

وشدد البروفيسور طلعت دفع الله على ضرورة وضع عدد من الملفات في صلب الإعداد للمشاركة السودانية، أبرزها الجفاف وإطار الاستجابة الاستباقية، والحياد من تدهور الأراضي ومؤشرات الرصد والمتابعة.

كما دعا إلى التركيز على قضايا المراعي والرعاة، خاصة مع الاهتمام الذي ستمنحه منغوليا لهذا الملف، إلى جانب الغابات وحزام الصمغ العربي وتثبيت الكثبان الرملية والأحزمة الشجرية.

وأكد أهمية تناول العلاقة بين تدهور الأراضي والنزاعات والنزوح، مع ضرورة عدم اختزال السودان في قصة أزمة، بل تقديمه كشريك يمتلك حلولاً وتجارب ناجحة.

وأشار كذلك إلى أهمية بحث فجوات التمويل بعد التعهدات الدولية، والوصول إلى موارد ملموسة تدعم المجتمعات المحلية والنساء والشباب، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين اتفاقيات ريو الثلاث المتعلقة بمكافحة التصحر وتغير المناخ والتنوع البيولوجي.

مفاوضات تحتاج إلى موقف وطني موحد

وأكد طلعت دفع الله أن القضايا لا تُحسم فقط داخل الجلسات العامة، وإنما تُصاغ القرارات في مجموعات الاتصال والمشاورات غير الرسمية واجتماعات التنسيق الإقليمية، وفي مقدمتها المجموعة الأفريقية.

ودعا إلى إعداد موقف وطني مكتوب ومختصر ومدعوم بالأرقام المستمدة من الخطط الوطنية، مع الاتفاق مسبقاً على المتحدث في كل ملف، وتحديد من يتولى التنسيق مع المجموعة الأفريقية ومجموعة الـ77 والصين.

وشدد على ضرورة تحديد خطوط حمراء واضحة ومساحات مرونة مدروسة، ومراقبة صياغة القرارات كلمة بكلمة، باعتبار أن عبارة واحدة تتعلق بالتمويل أو الرصد أو الأراضي قد تؤثر على مصالح السودان لسنوات طويلة.

قصص النجاح السودانية.. أوراق تفاوضية

وأشار الخبير البيئي إلى أن ما يملكه السودان من تجارب وقصص نجاح ينبغي أن يُعرض في المؤتمر باعتباره حجة تفاوضية، وليس من باب التفاخر.

وقال إن السودان يمتلك رصيداً من الخبرات الميدانية والدروس المستفادة، ويحتاج إلى شركاء يبنون على ما تحقق من نجاح ويكملون ما تعثر، بدلاً من البدء من الصفر.

وأكد أن الرواية الوطنية يجب أن تمتد من الغابة إلى المرعى، مشيراً إلى أن الرعاة ليسوا هامشاً في السياسات العامة، بل يمثلون ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وتسهم أنشطتهم بصورة كبيرة في الناتج المحلي والعمالة وصادرات الثروة الحيوانية ومنتجاتها.

ودعا إلى تحديد حدود المراعي ومسارات الرعي وحمايتها بالتشريعات وخرائط استخدامات الأراضي، بالتزامن مع تحسين حياة الرعاة وتوفير الخدمات لهم.

كما أكد أن استعادة المراعي تعني رفع إنتاجيتها وتحقيق التوازن بين الحمولة الرعوية وأعداد القطعان، ودعم البحوث التطبيقية في مناطق القوز والصمغ العربي ونباتات الرعي، وتعزيز اتفاقيات الرعي العابر للحدود مع دول الجوار.

مكافحة التصحر تنمية ريفية متكاملة

وأوضح طلعت دفع الله أن مكافحة التصحر ليست مجرد غرس شجرة ثم انتهاء المهمة، وإنما عملية تنمية ريفية متكاملة تبدأ بالمنتج الصغير، وتنظم الزراعة المطرية الآلية على أسس علمية، وتفعّل القوانين والبرامج الوطنية بالتنسيق الفعّال.

ودعا إلى الانتقال من الشعارات إلى برامج عمل وطنية تشمل المزارع والغابات والمراعي وتثبيت الرمال، حيث تسمح المياه الجوفية بذلك، محذراً من استمرار تآكل الأراضي وتدهورها.

التمويل أولوية للسودان

وشدد الخبير البيئي على ضرورة أن يوضح الوفد السوداني أن أجندة الفقراء تضع مكافحة التصحر في صدارة الأولويات، باعتبارها تكيّفاً مع آثار التغير المناخي وحماية لسبل العيش.

وقال إن الفصل بين قضايا المناخ العالمية والتصحر الوطني يحرم الريف السوداني من حقه في الحصول على دعم عادل، داعياً إلى طرح احتياجات السودان بوضوح في مجالات التمويل وبناء القدرات والرصد.

ما الذي يجب أن يحمله الوفد؟

واقترح طلعت دفع الله أن يحمل الوفد السوداني معه ملخصاً تنفيذياً لخطة الجفاف الوطنية، وبرنامج مكافحة التصحر وأهداف الحياد من تدهور الأراضي، ونماذج نجاح ميدانية موثقة.

كما تشمل المطلوبات معلومات عن إعادة تأهيل حزام الصمغ العربي، وتجارب تثبيت الرمال في الولاية الشمالية ونهر النيل، ومشروعات حصاد المياه وإدارة المراعي والسور الأخضر العظيم، إلى جانب بيانات حديثة، ولو تقديرية، عن الغطاء الغابي والمراعي وإنتاج الصمغ العربي.

وأكد أن المطلوب في النهاية هو تقديم رواية وطنية متماسكة، قائلاً: «فالسودان لا يطلب شفقة، بل شراكة على أرض تطعم الإقليم، وتخزن الكربون، وتحمي التنوع البيولوجي».

رسالة إلى الوفد السوداني

وفي ختام رسالته، أكد البروفيسور طلعت دفع الله أن المؤتمر يمثل منصتين في آن واحد؛ منصة تفاوض تُصاغ فيها القرارات، ومنصة عرض تُروى فيها قصص الأرض والناس.

ودعا الوفد إلى عدم الاكتفاء بالدفاع عن النصوص، بل رواية قصة الأرض السودانية، بما تحمله من قصص المزارع والراعي وجامع الصمغ العربي والمرأة الريفية.

وختم رسالته بالدعوة إلى استعادة ثقة العالم في قدرة السودان، رغم جراحه، على استعادة أرضه وأمله، مؤكداً أن المشاركة في أولان باتور ينبغي أن تكون مدروسة وموحدة ومسنودة بالعلم والأرقام والرواية الوطنية.

وتأتي الورقة ضمن ورشة تحديد أولويات السودان لمؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، بتنظيم من المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية ومركز ضريبة للدراسات البيئية.

 

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى