مقالات

جمال الكناني يكتب | عيد الجيش.. انتصارات تُمهّد لعودة السودان

تأتي الذكرى الثانية والسبعون لعيد القوات المسلحة السودانية هذا العام، والبلاد تعيش مرحلة فارقة في تاريخها، تتجلى فيها معاني الصمود والثبات والتضحيات التي قدمها أبناء القوات المسلحة والقوات المساندة لها والمقاومة الشعبية والمستنفرون، دفاعاً عن الوطن ووحدة أراضيه وسيادته.

وتطل هذه المناسبة الوطنية العزيزة على الشعب السوداني متزامنة مع بشريات ميدانية مهمة، تمثلت في تحرير بارا وجبرة الشيخ، وفتح شارع الصادرات الرابط بين مدينة أم درمان ومدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بما يمثله ذلك من أهمية استراتيجية وإنسانية واقتصادية، فضلاً عن انعكاساته على حركة المواطنين وانسياب السلع وتعزيز التواصل بين مناطق البلاد.

ولعل ما يميز عيد القوات المسلحة هذا العام أنه يأتي في وقت تشهد فيه العاصمة الخرطوم حراكاً متسارعاً، مع عودة مؤسسات الدولة لممارسة أعمالها من داخل العاصمة، وعودة مجلس السيادة الانتقالي برئاسة القائد العام للقوات المسلحة إلى القصر الجمهوري، في مشهد يحمل دلالات كبيرة على استعادة مؤسسات الدولة لدورها ومهامها، وعلى اقتراب العاصمة من استعادة عافيتها وحياتها الطبيعية.

كما تشهد الخرطوم عودة متزايدة للمواطنين في إطار موجة العودة الطوعية التي بدأت ملامحها تتسع، وهي عودة تحمل في طياتها الكثير من الأمل، رغم التحديات الكبيرة التي خلفتها الحرب. فالخرطوم ليست مجرد عاصمة إدارية، وإنما ذاكرة وطنية وفضاء جامع للسودانيين، وعودتها للحياة تمثل خطوة مهمة في طريق استعادة الاستقرار وبناء ما دمرته الحرب.

ويأتي عيد القوات المسلحة ليعيد إلى الذاكرة صفحات مضيئة من تاريخ الجيش السوداني، الذي ظل، رغم تعاقب الظروف والأزمات، أحد أهم مكونات الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية. وفي هذه المناسبة، لا يمكن الحديث عن الانتصارات دون استحضار تضحيات الشهداء والجرحى وكل من قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعاً عن الأرض والعرض، وعن الأسر التي فقدت أبناءها وهي تنتظر أن يعود الوطن إلى طريق السلام والأمان.

لقد أفرزت الحرب واقعاً بالغ القسوة، وتعرض المواطنون لانتهاكات واسعة شملت القتل والنهب والسرقة والتهجير والاعتداء على الممتلكات، في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها البلاد. ومن هنا فإن استعادة الأمن وحماية المدنيين وتأمين الطرق والمدن ليست مجرد أهداف عسكرية، وإنما مسؤولية وطنية تمهد الطريق أمام عودة الحياة والإنتاج والخدمات وإعادة الإعمار.

وفي خضم هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى أن تكون الانتصارات بداية لمرحلة جديدة، عنوانها تثبيت الأمن، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وإعادة تشغيل المؤسسات والمرافق، ثم الانتقال بصورة منظمة إلى مرحلة الإعمار ومعالجة آثار الحرب.

إن الاحتفال بعيد القوات المسلحة لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لاستعراض التاريخ والبطولات، بل فرصة لاستلهام قيم الانضباط والتضحية والوطنية والمسؤولية. فالسودان اليوم في حاجة إلى كل أبنائه، وإلى تضافر الجهود من أجل بناء دولة قوية ومستقرة تتسع للجميع، وتحفظ كرامة مواطنيها وتصون مواردها وسيادتها.

وفي هذه الذكرى، تظل التحية مستحقة لكل من حمل السلاح دفاعاً عن الوطن، ولكل أسرة صبرت على الفقد والنزوح، ولكل مواطن تمسك بأرضه ووطنه رغم قسوة الظروف. كما تبقى الآمال معلقة على أن تكون المرحلة المقبلة أكثر أمناً واستقراراً، وأن تتحول بشريات الانتصارات والعودة إلى واقع دائم يعيشه السودانيون في كل ولايات البلاد.

عيد القوات المسلحة يأتي هذا العام والبلاد تتطلع إلى غدٍ مختلف؛ غدٍ تتوقف فيه الحرب، وتعود فيه المدن إلى أهلها، وتُفتح المدارس والمستشفيات والأسواق، وتُعاد الحياة إلى القرى والأحياء، ويبدأ السودان رحلة طويلة نحو التعافي والإعمار.

وإذا كانت راية القوات المسلحة قد ارتبطت عبر تاريخها بالدفاع عن الوطن، فإن مسؤولية الجميع اليوم أن يلتفوا حول السودان، وأن يجعلوا من هذه المرحلة جسراً للعبور من الحرب إلى السلام، ومن الدمار إلى البناء، ومن الألم إلى الأمل.

كل عام والسودان أكثر أمناً واستقراراً، وكل عام وأبناء القوات المسلحة وكل المدافعين عن الوطن بخير، والرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والعودة الآمنة لكل النازحين والمهجرين إلى ديارهم.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى