
في مثل هذا اليوم، لا تمرّ ذكرى عيد الجيش السوداني كأي مناسبة عابرة في روزنامة الوطن، بل تعود بنا الذاكرة إلى محطاتٍ كثيرة، تختلط فيها رائحة التراب برائحة البارود، ويختلط فيها صوت المدافع بأصوات الأمهات وهنّ يودّعن أبناءهن، مؤمناتٍ بأن للوطن رجالاً لا يتأخرون حين ينادي الواجب.
عيد الجيش ليس مجرد ذكرى عسكرية، وإنما عبق ذاكرة وطن.
سبعة عقود واثنان من الأعوام، والجيش السوداني حاضر في تفاصيل الحكاية السودانية؛ في أفراح الوطن وأحزانه، في لحظات الخوف والانتصار، وفي تلك المواقف التي كان فيها الوطن أكبر من الجميع، وكانت رايته أمانة لا تُحمل إلا على أكتاف الرجال.
وحين نستعيد الذاكرة في هذه المناسبة، لا نستحضر فقط أسماء القادة والرتب والمعارك، بل نستحضر الإنسان السوداني الذي ارتدى الزي العسكري، وترك خلفه بيتاً وأماً وأباً وزوجة وأبناء، ومضى حيث يفرض عليه القسم والواجب.
نستحضر الجندي الذي يقف في الشمس والمطر، بعيداً عن أسرته، حارساً لحدودٍ لا يعرف قيمتها إلا من أدرك أن الوطن إذا ضاعت حدوده ضاعت معه أشياء كثيرة.
وفي عيد الجيش، تتجدد في الذاكرة صور الرجال الذين كتبوا أسماءهم في دفتر الوطن بمداد التضحية، بعضهم عاد يحمل النصر، وبعضهم عاد محمولاً على أكتاف رفاقه، وبعضهم لم يعد، لكنه ظل حاضراً في ذاكرة أهله ورفاقه ووطنه.
ولعل أجمل ما في هذه الذكرى أنها تذكّرنا بأن الجيوش لا تُقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة والرتب، وإنما تُقاس أيضاً بقيمة العقيدة التي يحملها الجندي، وبقدرته على أن يجعل من الانتماء للوطن سلوكاً، ومن القسم مسؤولية، ومن التضحية معنى لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
إن عيد الجيش الـ72 يأتي هذا العام محملاً بذاكرة ثقيلة، وبمشاعر وطنية عميقة، وبأسئلة كثيرة عن حاضر السودان ومستقبله. لكنه، قبل كل شيء، يجب أن يكون مناسبة لاستعادة معنى الوطن في نفوسنا؛ فالوطن لا يبنى بالبندقية وحدها، ولا تحميه المؤسسات العسكرية وحدها، وإنما يحميه أيضاً وعي أبنائه، ووحدتهم، واحترامهم لدولتهم ومؤسساتها، وإيمانهم بأن السودان يستحق أن نختلف من أجله لا أن نختلف عليه.
تحية لكل جندي سوداني حمل سلاحه وهو يحمل في قلبه صورة السودان.
تحية لمن ظلوا في مواقعهم حين كانت العودة إلى البيت أسهل من البقاء.
تحية لأرواح الشهداء الذين غابوا عن أعيننا ولم يغيبوا عن ذاكرة الوطن.
وتحية لأسر العسكريين، أولئك الذين يدفعون من أعصابهم وقلوبهم ثمناً لا يراه الناس كثيراً؛ أمّ تنتظر، وزوجة تصبر، وطفل يكبر وهو يعرف أن والده كثير الغياب، لأن الوطن في بعض المراحل يصبح له أبٌ إضافي اسمه الواجب.
في ذكرى عيد الجيش، لا نريد أن تكون الذاكرة مجرد بكاء على ما مضى، بل جسراً نحو ما نريد أن يكون.
نريد سوداناً آمناً، موحداً، عزيزاً، يجد فيه الجندي سبباً حقيقياً ليحميه، ويجد فيه المواطن سبباً حقيقياً ليحبه، وتجد فيه الأجيال القادمة وطناً لا تخاف عليه، بل تفخر به.
فكل عام والجيش السوداني بخير، وكل عام والسودان أكثر أمناً وعافية.
سبعة وسبعون؟ لا… اثنان وسبعون عاماً من الذاكرة، وما زال الوطن هو الحكاية الأكبر.
وفي كل عيد جيش، يبقى السؤال الأجمل:
ماذا فعلنا نحن من أجل الوطن، كما فعل أولئك الذين أقسموا أن يفدوه بأرواحهم؟
ذلك هو المعنى الحقيقي لعيد الجيش.
وذلك هو عبق الذاكرة حين تفوح برائحة الوطن.





