مقالات

الرجل الذي يقول: «أنا بخير»

هدى الخليفة النور

 

 

أحيانًا، لا يكون الرجل بخير حين يقول لك: «أنا بخير».
هذه الجملة القصيرة التي نمر عليها دون انتباه، قد تكون خلفها معركة كاملة لا نعرف عنها شيئًا. قد يقولها وهو مثقل بالمسؤوليات، منهك من الحياة، محاصر بالخيبات، لكنه لا يملك رفاهية الاعتراف بأنه تعب.
لأننا علّمنا الرجل منذ طفولته أن يكون قويًا.
علّمناه أن الرجل لا يبكي، لا يشتكي، لا ينكسر، ولا يقول «لم أعد قادرًا». وإذا بكى، سارعنا إلى مطالبته بالتوقف، وإذا حزن قلنا له: «شد حيلك»، وإذا انهار قلنا: «أنت رجل».
لكن من قال إن الرجل لا يتألم؟
ومن قال إن القوة تعني أن يخفي الإنسان جراحه حتى ينزف من الداخل؟
الاكتئاب عند الرجال ليس دائمًا دمعة على خد أو حزنًا واضحًا في الوجه.
قد يكون رجلًا كثير الغضب، قليل الكلام. قد يكون ذلك الذي بدأ يهرب من الناس، أو فقد شغفه بكل الأشياء التي كان يحبها، أو أصبح ينام كثيرًا أو لا ينام، أو يغرق نفسه في العمل حتى لا يواجه نفسه.
وقد يكون ذلك الرجل الذي يجلس وسط الجميع، يضحك ويتحدث ويمازح الآخرين، ثم يعود إلى غرفته في نهاية اليوم ليواجه وحده كل ما حاول الهروب منه طوال النهار.
المؤلم أن المجتمع قد يصفه بالعصبي، أو المتكبر، أو البارد، أو المتغير، دون أن يسأل السؤال الأهم:
ماذا يحدث لهذا الرجل؟
نحن بارعون في محاكمة السلوك، لكننا أحيانًا نفشل في البحث عن الألم الذي يقف خلفه.
والرجل الذي اعتاد أن يكون سندًا لأسرته، قد يشعر بالخجل عندما يحتاج هو إلى سند. والذي قضى عمره في حل مشكلات الآخرين، قد لا يعرف كيف يطلب من أحد أن يساعده في حل مشكلته.
وهنا يبدأ الصمت.
ثم العزلة.
ثم الانطفاء.
ثم يأتي الانهيار في اللحظة التي يعتقد فيها الجميع أنه «كان قويًا طوال الوقت».
الحقيقة أن الرجل لا يحتاج دائمًا إلى من يعطيه حلولًا. أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يجلس بجواره دون أن يحاكمه.
لا تقل له: «ما عندك سبب تزعل».
لا تقل له: «غيرك أسوأ منك».
ولا تسخر من ضعفه المؤقت.
قل له ببساطة:
«أنا شايف إنك متغير.. لو عايز تتكلم، أنا هنا.»
قد تبدو جملة عادية، لكنها بالنسبة لشخص يخوض حربًا داخل رأسه وقلبه، قد تكون نافذة يدخل منها الضوء.
علينا أن نتوقف عن التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها ترفًا أو ضعفًا أو عيبًا. الاكتئاب حالة تستحق الانتباه والمساندة، وإذا استمرت الأعراض وأثرت في حياة الإنسان وعمله وعلاقاته، فإن طلب المساعدة من مختص ليس عيبًا، بل خطوة مسؤولة.
فالرجولة ليست أن تموت ألف مرة في صمت حتى لا يقال إنك ضعيف.
الرجولة أن تعرف متى تحتاج إلى يد تمتد إليك.
أن تقول: «تعبت» دون أن تخجل.
أن تعترف بأنك لست بخير، دون أن تشعر بأنك فقدت شيئًا من قيمتك.
فليس كل رجل صامت قويًا، وليس كل رجل غاضب قاسيًا، وليس كل رجل مبتعد متكبرًا.
وراء بعض الصمت وجع.
وراء بعض الغضب خوف.
وراء بعض القسوة قلبٌ أنهكته الحياة.
لذلك، في المرة القادمة التي يقول لك فيها رجل: «أنا بخير» بينما ترى في عينيه شيئًا آخر…
لا تكتفِ بالإجابة:
«تمام.»
اسأله مرة أخرى:
«متأكد؟»
فربما تكون هذه المرة، هي المرة التي يقرر فيها أخيرًا أن يتحدث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى