مقالات

حين يعود الاستثمار… تستعيد الخرطوم مركزيتها الحضرية

بقلم: م. الصادق عباس نجّار

في المدن الخارجة من الحروب، لا تُقرأ مؤشرات التعافي من حجم الإنفاق الحكومي وحده، ولا من عدد المباني التي أُعيد تأهيلها، وإنما من القرارات التي يتخذها المواطنون والمستثمرون طواعية. فعندما يقرر مستثمر أعادة افتتاح مشروع في مدينة خرجت لتوها من الحرب، فإنه لا يراهن على الحاضر فقط، بل يراهن على مستقبل المدينة وثقته في قدرتها على استعادة وظائفها.

ومن هذا المنظور، فإن أعادة افتتاح عدد من الأنشطة التجارية في الخرطوم خلال الأيام الماضية، ومن بينها افتتاح فرع لأحد سلاسل المتاجر الكبرى بمنطقة المنشية، لا يمثل مجرد توسع تجاري، بل يقدم مؤشرًا يستحق القراءة ضمن سياق التعافي الحضري للعاصمة.

فالحدث لا يتعلق بمنشأة تجارية بعينها، وإنما بسؤال أكبر:

إلى أين بدأت الحركة الاقتصادية تعود داخل ولاية الخرطوم؟

قبل الحرب، كانت مدينة الخرطوم تمثل المركز الإداري والمالي والتجاري الأول للولاية، بينما تكاملت معها مدينتا أم درمان والخرطوم بحري ضمن منظومة حضرية واحدة، تتوزع فيها الوظائف الاقتصادية والإدارية والخدمية بصورة صنعت من العاصمة إقليمًا حضريًا متكاملًا.

لكن الحرب أعادت تشكيل هذه الجغرافيا بصورة مؤقتة.

فقد تعرضت معظم أحياء الخرطوم والخرطوم بحري لأضرار مباشرة أو لتوقف شبه كامل في النشاط الاقتصادي، بينما احتفظت أجزاء واسعة من أم درمان بدرجة أعلى من الاستقرار النسبي، الأمر الذي مكنها من استيعاب جانب كبير من النشاط التجاري والخدمي، وأصبحت عمليًا المركز الاقتصادي المؤقت للولاية خلال فترة الحرب.

ولم يكن ذلك نتيجة تخطيط مسبق، وإنما استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب.

ومن منظور التخطيط الحضري، لم يكن ما حدث مجرد انتقال للأسواق، بل إعادة توزيع قسرية للوظائف الحضرية داخل الإقليم الحضري للعاصمة. فالمدينة التي كانت تؤدي وظيفة المركز الإداري والتجاري الأول تراجعت مؤقتًا تحت ضغط الحرب، بينما اضطلعت أجزاء أخرى من الولاية بأدوار لم تكن تمثل وظيفتها الأساسية قبل النزاع.

واليوم، فإن بدء عودة الاستثمارات التجارية إلى مدينة الخرطوم يحمل دلالة مختلفة.

فهو لا يعني انتقال النشاط من أم درمان إليها، بل يعني بداية استعادة التوازن الوظيفي بين مدن الولاية الثلاث بعد فترة من الاختلال فرضتها ظروف استثنائية. وهذا التوازن يمثل أحد أهم مؤشرات التعافي الحضري، لأن المدن الكبرى لا تعمل بكفاءة عندما يتركز النشاط في جزء واحد منها، وإنما عندما تتكامل وظائف مكوناتها ضمن منظومة حضرية مترابطة.

كما أن اختيار المستثمر العودة إلى الخرطوم في هذه المرحلة لا يمكن عزله عن مؤشرات أخرى بدأت تتشكل في الوقت نفسه، أهمها تحسن الوضع الأمني، وعودة أعداد متزايدة من السكان، والاستعادة التدريجية للخدمات العامة. وهذه العناصر الثلاثة تشكل معًا البيئة التي يبدأ فيها الاستثمار باستعادة ثقته، ويبدأ الاقتصاد الحضري في استعادة حركته.

ومن هنا، فإن إعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية ليست مجرد نتيجة للتعافي، بل هي أحد محركاته. فكل مشروع جديد يختار موقعه يرسل إشارة إلى السوق، وكل مستثمر يحدد مكان استثماره يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للعاصمة.

ولهذا، ينبغي ألا تقتصر قراءة افتتاح أي منشأة تجارية على حجم الاستثمار أو عدد المتسوقين، وإنما تمتد إلى ما تعكسه من ثقة متزايدة في البيئة الحضرية، واستعداد القطاع الخاص لاستئناف دوره كشريك أساسي في إعادة تشغيل المدينة.

غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعني اكتمال التعافي.

فالخرطوم ما تزال تواجه تحديات كبيرة في استكمال تأهيل البنية التحتية، واستقرار خدمات الكهرباء والمياه، وصيانة الطرق، وإزالة آثار الحرب، واستعادة كفاءة المؤسسات العامة. كما أن التعافي الحقيقي لا يتحقق بمجرد عودة النشاط إلى مركز المدينة، وإنما بامتداد هذه العودة تدريجيًا إلى بقية الأحياء والمراكز الحضرية، حتى تستعيد العاصمة وظائفها بصورة متوازنة.

وفي هذا السياق، يصبح دور مؤسسات الدولة هو مواكبة هذه الحركة الطبيعية، عبر تحسين البيئة الاستثمارية، وتسريع إعادة تشغيل الخدمات، وربط برامج الإسكان والتعمير بالتنمية الاقتصادية، حتى يتحول الاستثمار إلى قوة دافعة لإعادة الإعمار، لا مجرد نشاط اقتصادي منفصل عنها.

فالإعمار لا يقتصر على تشييد المباني، بل يشمل إعادة إنتاج الوظائف الاقتصادية التي تجعل المدينة قادرة على الحياة والاستمرار. وكل استثمار يعود يسهم في خلق فرص العمل، وتنشيط الأسواق، ورفع قيمة الأصول، وتحفيز مزيد من الاستثمارات، بما يكوّن دورة إيجابية تدعم استدامة التعافي.

إن المؤشرات الإيجابية التي بدأت تظهر في العاصمة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها نهاية مرحلة التعافي، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب إدارة واعية. فعودة الاستثمار يجب أن تترافق مع إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتوجيه النمو العمراني وفق رؤية استراتيجية تضمن التكامل الوظيفي بين الخرطوم وأم درمان وبحري، بما يعزز كفاءة الإقليم الحضري للعاصمة.

فالتعافي ليس مجرد عودة للحياة كما كانت، بل فرصة لإعادة بناء مدينة أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الصمود، وأكثر عدالة في توزيع الخدمات والأنشطة الاقتصادية.

وإذا كانت الحرب قد أعادت رسم الجغرافيا الاقتصادية للعاصمة بصورة قسرية، فإن مرحلة الإعمار ينبغي أن تعيد تشكيلها وفق رؤية تخطيطية تستند إلى البيانات، وتوازن بين الاستثمار، والإسكان، والخدمات، والتنمية الحضرية.

فعندما يعود الاستثمار إلى المدينة، لا يكون ذلك مجرد مؤشر اقتصادي، بل إعلانًا بأن الثقة بدأت تعود، وأن الخرطوم بدأت تستعيد مركزيتها الحضرية، ليس بوصفها مركزًا إداريًا فحسب، بل بوصفها محركًا للتنمية القومية في مرحلة ما بعد الحرب.

م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري ومخطط عمراني
باحث في قضايا التعافي الحضري وإعادة الإعمار

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى