
لم يحل انقطاع التيار الكهربائي دون انعقاد منبر وكالة السودان للأنباء (سونا)، إذ تحولت الساحة الخارجية للمركز الثقافي بأم درمان إلى قاعة مفتوحة احتضنت فعاليات المؤتمر التنويري رقم (62) الذي نظمته وكالة السودان للانباء ضمن سلسلة المؤتمرات التنويرية لوزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، واستضاف الخبير القانوني الدكتور محمد الزين للحديث حول “جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتقاضي الدولي”.
وكان الإعلاميون والصحفيون قد توافدوا إلى مقر المنبر قبل وقت كافٍ من انطلاقته، إلا أن انقطاع الكهرباء حال دون انعقاده داخل القاعة، لتبادر وكالة السودان للأنباء بنقل فعالياته إلى الساحة الخارجية، حيث تواصلت أعمال المنبر وسط حضور لافت من الإعلاميين والمهتمين بالشأن القانوني، في مشهد عكس حرص الوكالة على استمرار رسالتها الإعلامية رغم التحديات، وحرص الإعلاميون على اداء رسالتهم الوطنية واطلاع الرأي العام المحلي، والإقليمي والدولي على طبيعة التنويري رقم (٦٢)… نقاش قانوني حول جرائم الحرب التي ارتكبت تجاه السودانيين.
وشهد المنبر حضور وكيل وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذة سمية الهادي، إلى جانب عدد من القانونيين والإعلاميين والمهتمين.
جرائم تستوجب المساءلة:
استعرض الدكتور محمد الزين الإطار القانوني لجرائم الحرب والإبادة الجماعية، موضحًا أن جرائم الحرب تتمثل في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي تُرتكب أثناء النزاعات المسلحة، بينما تقوم جريمة الإبادة الجماعية على استهداف جماعة قومية أو عرقية أو دينية أو إثنية بقصد إهلاكها كليًا أو جزئيًا.
وقال إن الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وما صاحبها من قتل ونهب واغتصاب وتدمير للأعيان المدنية والمنشآت الخدمية، تندرج – بحسب توصيفه – ضمن الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة، مشيرًا إلى أن ما جرى في عدد من مناطق دارفور، بما في ذلك الفاشر والجنينة، يثير قضايا قانونية تتصل بجرائم الإبادة الجماعية.
وأضاف أن آثار الحرب تجاوزت تدمير البنية التحتية لتطال الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي والذاكرة الجمعية، الأمر الذي يتطلب توثيقًا قانونيًا وإعلاميًا دقيقًا يكشف حقيقة الانتهاكات ويواجه الروايات المضللة.
العدالة الدولية وآليات التقاضي:
وأكد الدكتور محمد الزين أهمية تفعيل آليات العدالة الدولية وملاحقة المسؤولين عن الجرائم الدولية، مبينًا أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن القانون الدولي يتيح مسارات متعددة لمحاسبة مرتكبيها.
وأوضح أن هناك فرقًا بين محكمة العدل الدولية، التي تنظر في النزاعات بين الدول، والمحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية.
وأشار إلى تقديم شكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية في يناير 2024 بالتعاون مع عدد من القانونيين، في إطار ما وصفه بالتقاضي الاستراتيجي، الهادف إلى استخدام الآليات القانونية الدولية لمساءلة المتورطين في الجرائم المرتكبة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا بين مؤسسات الدولة، والجهات القانونية، ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز فرص تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، لافتًا إلى أن أمام السودان خيارات قانونية متعددة على المستوى الدولي، إلى جانب إمكانية لجوء المتضررين إلى بعض المحاكم الوطنية التي تعمل وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية.
الإعلام شريك في تحقيق العدالة:
وشدد الخبير القانوني على أن الإعلام يؤدي دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، ونشر الوعي القانوني، وتقديم المعلومات الموثقة للرأي العام، بما يسهم في دعم جهود العدالة الدولية.
ودعا إلى تكامل الأدوار بين المؤسسات القانونية والإعلامية والمجتمعية، باعتبار أن التوثيق المهني للانتهاكات يمثل أحد المرتكزات الأساسية في دعم مسارات المساءلة، وتعزيز فرص إنصاف الضحايا وترسيخ مبادئ العدالة الدولية.
الاستثمارات والأمن القومي:
وأوضح الخبير القانوني في تعقيبه على اسئلة الصحفيين حول الاستثمارات الإماراتية في السودان بعد موقفها الداعم للميليشيا المتمردة بقوله بأن الموقف القانوني يبين بكل وضوح بأن أي استثمارات أو إتفاقيات تتعارض أو تهدد الأمن القومي يتم إلغائها.”
وأوضح الدكتور محمد الزين أن توصيف الانتهاكات يستند إلى ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقانون الجنائي السوداني، مبينًا أنها تشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
كما استعرض الفرق بين محكمة العدل الدولية المختصة بالنزاعات بين الدول، والمحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية.
وأشار إلى أن مسارات التقاضي الدولي تشمل اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تقديم مذكرات قانونية للمنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن الإعلام يمثل شريكًا أساسيًا في دعم جهود العدالة الدولية من خلال التوثيق المهني للانتهاكات، ونقل معاناة الضحايا، والالتزام بالدقة في توصيف الجرائم وفق المفاهيم القانونية المعتمدة.
وفي ختام المنبر، شهد المؤتمر نقاشًا موسعًا بين الصحفيين والمهتمين بالشأن القانوني حول سبل تعزيز التعاون بين الإعلام والجهات المختصة لتوثيق الانتهاكات ودعم مسارات العدالة الدولية.





