إشتياق الكناني تكتب: لا تُحب حتى تنسى أن للحياة رأيًا آخر

كانت حكايتنا تقترب يومًا بعد يوم من الاكتمال. كنا نخطط للمستقبل كما لو أنه وعدٌ لا يمكن أن يخلفه الزمن. تحدثنا طويلًا عن أحلامنا، ورسمنا في خيالنا بيتًا صغيرًا يشبهنا. اخترنا ألوان الجدران، واتفقنا على مكتبة تتوسط الغرفة المقابلة للنافذة، وعلى نبتة خضراء تمنح المكان حياة، وعلى صورة من يوم الزفاف تتصدر الحائط وكأنها شهادة ميلاد لحكايتنا.
*كنا نؤمن أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع العمر الكبير. لذلك لم تكن أحاديثنا تدور حول الأشياء الثمينة بقدر ما كانت تدور حول الأشياء التي تمنح الحياة دفئها؛ فنجان قهوة في صباح هادئ، كتاب نقرؤه معًا، أو ضحكة نتقاسمها بعد يوم طويل.*
قلت له ذات مساء إنني أتمنى أن أرزق بطفلة تحمل ملامح عينيه، وتملك قدرته على إسعادي بأبسط الأشياء. وقفت طويلًا أمام المرآة أتخيل شكل بطني وهو يكبر، وأتخيل ملامحي بملابس فضفاضة، وأسأل نفسي كيف سأبدو. ابتسم وقال: “ستبدين قمرًا مكتملًا”، ثم ضحك، فضحكت معه، وكأن الحياة لم تكن تعرف سوى هذا القدر من الطمأنينة.
*ومرت الأيام سريعًا. مرة نتحدث عن البلدان التي سنزورها، ومرة عن أسماء أبنائنا، ومرة عن الطريقة التي سأخبره بها بأننا سنصبح أبًا وأمًا لأول مرة. كنا نبني مستقبلًا كاملًا بالكلمات، ونظن أن الأحلام التي تُقال بصوت مرتفع لا يمكن أن تضيع.*
لكن الحياة لا تقرأ ما نكتبه لها. لديها دائمًا نهاية أخرى لا تخبرنا بها إلا عندما يحين وقتها.
*انتهت الحكاية، لا لأن الأحلام كانت سيئة، ولا لأن الحب كان ناقصًا، وإنما لأن بعض الطرق التي تبدأ معًا، تنتهي عند مفترق لا يملك أحدٌ القدرة على تغييره. فجأة أصبح البيت الذي رسمناه مجرد فكرة، وصورة الزفاف إطارًا فارغًا، وأسماء الأطفال كلمات لم تجد من يناديها.*
يقولون إن الإنسان ينسى، لكن الحقيقة أنه لا ينسى الأحلام المؤجلة بسهولة. فالذكريات لا تؤلم بقدر ما تؤلم الحياة التي عشناها في خيالنا، ثم اكتشفنا أنها لن ترى النور. أكثر ما يوجع ليس الفراق نفسه، بل كل تلك التفاصيل التي صدقنا أنها ستصبح يومًا جزءًا من واقعنا.
لهذا، **لا تُحب حتى تنسى أن للحياة رأيًا آخر**. أحب، لكن لا تجعل كل مستقبلك معلقًا على شخص واحد، ولا تُشيّد بيتًا كاملًا في خيالك قبل أن تضع الحياة حجره الأول. اترك للقدر مساحة، وللأيام حقها في أن تفاجئك، فليس كل ما نتمناه يصبح واقعًا، وليس كل ما نفقده يعني أن الحياة انتهت.*
ربما لا تأتي الحياة بالصورة التي رسمناها، لكنها كثيرًا ما تفاجئنا بصورة أخرى لم نتوقعها. وما يبدو اليوم نهايةً قاسية، قد يكون بدايةً لطريق أكثر اتساعًا وصدقًا.
*أما نحن، فقد انتهت حكايتنا كما تنتهي حكايات كثيرة، لكنني أدركت متأخرًا أن الحب الحقيقي لا يُقاس بما اكتمل، بل بما تركه فينا من نضج، وبما علمنا أن القلوب، مهما انكسرت، قادرة على أن تُحب من جديد، وأن الحياة لا تتوقف عند بابٍ أُغلق، بل تظل تفتح أبوابًا أخرى لمن يملك شجاعة العبور.*





