حين يصبح الصمت شبهة العقود والتراخيص الغامضة وحتمية البيان والإصلاح
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

كثر في الفترة الأخيرة الحديث في الصحافة والوسائط والمجالس، همسًا وجهرًا، عن عقود وتراخيص ومبادرات وواجهات تجارية وعمليات شراء مباشر في ملفات حساسة، بعضها يتصل بالمال العام، وبعضها بالعون الإنساني، وبعضها بالرقمنة والمنصات والتحصيل. وقد برزت في هذا السياق أسماء وملفات متداولة في الرأي العام، من قبيل ما أثير حول بعض المبادرات والعقود، وما يثار حول سياسات تراخيص الوقود وودائعه، مع غياب ما يكفي من البيان الرسمي الشافي. وهذه ليست قضية خبر عابر، ولا خصومة صحفية معزولة، ولا حديث مجالس يمكن تجاوزه بالصمت؛ لأنها تمس صميم الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن والمؤسسات، وبين المال العام والجهات التي تتصرف فيه باسم المصلحة العامة.
ولا يعنينا هنا أن نصدر حكمًا قاطعًا في واقعة بعينها، فذلك موكول إلى الجهات العدلية والرقابية المختصة، كما أن الإنصاف يقتضي سماع كل الأطراف وفحص المستندات قبل القطع بالإدانة أو البراءة. ولكن يعنينا أن نؤكد أن صمت المؤسسات المعنية عن توضيح الحقائق لا يحمي الدولة، بل يضاعف الريبة، فتضعف الثقة، وتتراكم الشبهات، ويتسع مجال التأويل. فالدولة التي تسكت طويلًا أمام أسئلة الناس لا تطفئ الشك، وإنما تتركه يكبر في الفراغ.
وقد يظن بعض الناس أن زمن الحرب يقتضي تأجيل النقد، أو حصر الملاحظات في الغرف المغلقة، أو السكوت عن الملفات الحساسة حتى لا تتأثر المعنويات العامة. وهذا تقدير قد يُفهم من باب الحرص، لكنه يصبح خطرًا إذا تحوّل إلى غطاء للصمت أو تعطيل البيان أو حماية الأخطاء من المراجعة. فالحرب لا تُدار بالسلاح وحده، بل تُدار كذلك بحسن إدارة المال والوقود والغذاء والدواء والبيانات والعون العام. والروح المعنوية لا تضعف حين يعلم الناس أن خللًا قد وقع، وإنما تضعف حين تشعر أن الخلل يُغطّى، وأن الأسئلة تُؤجل، وأن الموارد التي تقوم عليها قدرة الدولة على الصمود لا تجد من يحرسها بالشفافية والمحاسبة.
إن العقود الحكومية، في كل زمان، ليست مجرد معاملات مالية عادية، بل هي اختبار لأمانة الدولة، وميزان لعدالة السلطة، ومؤشر على مقدار احترام المال العام وحقوق الناس. فإذا كانت الشفافية والمنافسة والمراجعة واجبة في أوقات السلم، فإن وجوبها يشتد في زمن الحرب والأزمات؛ لأن حاجات الناس تكون أعظم، وموارد الدولة أضيق، ومساحة الاستثناءات أوسع، وأثر التفريط أشد خطرًا على الثقة العامة. فإذا كان العقد متعلقًا بسلال غذائية أو دعم المتضررين من الحرب، فإن خطورته تتضاعف؛ لأنه يمس بطون الجوعى وكرامة النازحين وحق الأسر التي أنهكتها الحرب. وإذا كان متعلقًا بالرقمنة أو المنصات أو التحصيل أو الجمارك أو المصارف أو التجارة الخارجية، فإن خطورته تتضاعف من جهة أخرى؛ لأنه يمس بيانات الدولة ومفاتيحها السيادية وحركة المال والسلع داخلها.
ومن هنا فإن الخلل واحد وإن اختلفت الواجهات: عقد مباشر من غير منافسة كافية، أو جهات وواجهات لا تتضح صلتها بما يكفي، أو مبادرات إنسانية قد تختلط، في غياب البيان، بمصالح تجارية أو شبهات انتفاع، أو منصة رقمية تُمنح بلا شفافية، أو رسوم تُفرض بلا بيان كافٍ، أو تمديد لعقد متعثر، أو تعديل لقيمة مالية من غير إعلان للأسس والمعايير، أو رخصة تتحول في بعض القطاعات الحساسة إلى امتياز محدود لا يناله إلا نفر قليل. وهذه كلها ليست تفاصيل إدارية صغيرة، بل علامات على بيئة مختلة تسمح بأن تتحول الدولة من مؤسسة ضابطة إلى ساحة تتنازعها العلاقات والواجهات والأبواب الخلفية.
ومن أمثلة هذا الخلل، لا على سبيل الحصر ولا باعتباره المثال الأوحد، ما يثار في ملفات الشراء المباشر، والعقود الإنسانية، والمنصات الرقمية، وتراخيص السلع الاستراتيجية، ومن بينها ملف تراخيص الوقود؛ فإذا كانت الدولة تريد منع ظاهرة منح تراخيص الاستيراد لمن لا يملكون المال ولا القدرة الفعلية على الاستيراد، ثم بيعها لمن يملك المال، فالسؤال الأسبق هنا: لماذا يُسمح أصلًا ببيع الرخصة الممنوحة للاستيراد أو التنازل عنها للغير؟ وهل هذا من مسلمات منح الرخص، محليًا أو دوليًا، أو حتى عقلًا وبداهة؟ فالرخصة في أصلها إذن تنظيمي مشروط، يُمنح لكيان بعينه متى استوفى الشروط، وليست مالًا تجاريًا مستقلًا يُتداول في السوق أو يُباع لمن لم يحصل عليها من الجهة المختصة. ومن هنا فالعلاج الصحيح لا يكون بودائع ضخمة أو قيود تعجيزية تجعل الترخيص حكرًا على قلة، بل بفتح باب الترخيص لكل من يطلبه متى التزم بالشروط الفنية والمواصفات والسلامة والجمارك والضرائب ومنع الغش والتهريب، ودفع رسوم الرخصة بما يؤكد جديته الابتدائية. فإن لم يستورد بعد ذلك، فقد أفادت الدولة من الرسوم، وخسر هو وحده، بينما يغطي السوق غيره من المرخص لهم القادرين على التنفيذ.
والأهم أن تُجعل الرخصة إذنًا تنظيميًا خاصًا بالكيان المرخص له، لا سلعة قابلة للبيع أو التنازل، فلا يُسمح بدخول الوقود بموجبها إلا باسم ذلك الكيان ولحسابه، مع ربط إجراءات الاستيراد والجمارك والفحص والتفريغ والسداد به وحده. عندئذ تفقد الرخصة قيمتها كسوق موازٍ، ويتحقق منع السمسرة من غير صناعة احتكار جديد. أما إشكال النقد الأجنبي، فيُحل ضمن حزمة الإصلاح العامة المتكاملة، وعلى رأسها منصة مركزية شفافة لتداول العملة وفق العرض والطلب، لا بإجراءات جزئية تخلق امتيازات جديدة وفسادًا أكثر تعقيدًا.
وهذه المنصة لا تعني مجرد تحديد سعر للعملة، بل نقل التعامل من ظلام السوق الموازي إلى نور السوق المعلن؛ فتظهر حركة العرض والطلب، وتُعرف الأسعار، وتُرصد التعاملات، وتضيق أبواب الوساطة والمضاربات الخفية، فتتلافى الدولة سلبيات السوق الموازي، وتحصد منافع السوق المعلن من شفافية ومنافسة وعدالة واستقرار نسبي في التوقعات، فضلًا عن تمكين الدولة من تحصيل رسوم التراخيص عبر قنوات معلنة، وتيسير حصول المواطنين والمستوردين والمستثمرين على العملات بطرق واضحة، ومعالجة واحدة من أكبر العقبات التي ظلت تواجه الاستثمار والمستثمرين، وهي سهولة تحويل الأموال وتداولها في إطار قانوني شفاف ومنضبط. فإذا وُجدت منصة عملة واضحة ومفتوحة، وبيئة مصرفية منضبطة، وقواعد استيراد معلنة، ورسوم موحدة، ورقابة رقمية، فإن المستورد يعرف كيف يحصل على النقد الأجنبي من السوق المنظم، والدولة تعرف حركة الطلب والعرض، وتقل مساحة السوق الموازي والوساطة والصفقات الغامضة. أما في غياب هذه الحزمة، فإن كل معالجة جزئية قد تلد فسادًا جديدًا أكثر تعقيدًا من الفساد الذي جاءت لمحاربته.
وهذه الرؤية ليست فكرة نظرية معزولة، بل هي جوهر ما نهضت وتنهض به الدول التي عرفت كيف تبني بيئة أعمال مستقرة. وهي، على بداهتها، يدركها بعمق كل من مارس التجارة والعمل الخاص، كما يدركها الأكاديمي حين يجمع بين النظرية والخبرة العملية؛ لأن خلل العملة والرسوم والاستثناءات وتعدد الجهات لا يظهر أثره في الكتب وحدها، بل يظهر في السوق، والعقود، والاستيراد، والتمويل، والرقابة، والقضاء.
فالتحول الرقمي ضرورة، وسرعة الاستجابة الإنسانية في زمن الحرب ضرورة كذلك، لكن الضرورة لا تعني فتح الباب للفوضى. فالرقمنة إذا أُحسن تصميمها أغلقت أبوابًا واسعة للفساد، واختصرت الزمن، ووحّدت البيانات، وكشفت مسارات المال والسلع. والمبادرات الإنسانية إذا أُحسنت حوكمتها حفظت كرامة المحتاجين، وأوصلت العون إلى مستحقيه، وجمعت بين السرعة والأمانة. أما إذا دخلت الرقمنة أو المبادرات الإنسانية بلا حوكمة، أو مُنحت لشركات غير معلومة الصلة، أو جاءت عبر تعاقدات مباشرة لا تخضع لمنافسة حرة ولا لتسبيب معلن، فإنها قد تتحول من باب حل إلى باب جديد للاحتكار والانتفاع.
والمنصة الرقمية ليست شاشة جميلة ولا بوابة دفع فقط، بل سلطة معلوماتية؛ فمن يملكها قد يطلع على أسماء المستوردين والمصدرين، والكميات، والأسعار، ومصادر السلع، وجهات الشحن، وأنماط السوق، وأسرار المنافسة. وكذلك فإن عقد الإغاثة ليس مجرد توريد سلع، بل سلطة على احتياجات الناس، وقوائم المستفيدين، وأموال الدعم، وأولويات الولايات، ومنافذ التوزيع. ومن يملك هذه المفاتيح بلا رقابة قد يستطيع توجيه السوق، أو التأثير في المنافسة، أو استغلال الحاجة، بما قد يفتح الباب لتحويل العمل العام إلى مجال انتفاع خاص.
لذلك فإن أي نظام رقمي يمس الجمارك أو المصارف أو الضرائب أو التجارة الخارجية أو التحصيل العام، وأي عقد يمس العون الإنساني أو الغذاء أو الدواء أو الخدمات الأساسية، ينبغي أن يخضع لشروط صارمة: عطاء مفتوح ومنافسة عادلة كلما أمكن، وإفصاح كامل عن هوية الشركة وملاكها الحقيقيين وخبراتها، وبيان صريح لأسباب أي شراء مباشر، ومواصفات معلنة، وضمانات تنفيذ، ولجان استلام مستقلة، ومراجعة مالية وفنية، ونشر الحد الأدنى من المعلومات للرأي العام، بالقدر الذي لا يضر بالأمن ولا يخل بحق المجتمع في المعرفة.
وإلى حين تنزيل حزمة الإصلاح المؤسسية المتكاملة، متوازية لا متوالية، فإن المنصات الحساسة التي تمس المال العام، أو الجمارك، أو الضرائب، أو التحصيل، أو التجارة الخارجية، أو بيانات المواطنين والمتعاملين، ينبغي أن تنشئها وتديرها الجهة الرسمية المختصة في الدولة، أو جهة نظامية سيادية من جهات الدولة، مع الاستعانة بالخبرات الفنية عند الحاجة في حدود واضحة ومحكومة. فالمطلوب ليس أن تُغلق الدولة باب الخبرة، بل أن تبقى مفاتيح المنصة وبياناتها وقرارها وسيادتها في يد الدولة، لا في يد شركة لا تتضح صلتها واختصاصها للرأي العام، أو وسيط تجاري غير خاضع لضوابط معلنة، أو طرف خاص قد تتحول بيده الخدمة العامة إلى نفوذ معلوماتي أو مورد غير واضح.
وعلى المسؤولين في المؤسسات التي دارت حولها هذه الأحاديث أن يبادروا، من غير إبطاء، إلى نشر الحقائق الأساسية للرأي العام: ما طبيعة العقود؟ ومن أطرافها؟ وعلى أي أساس مُنحت؟ وهل تمت عبر منافسة معلنة أم شراء مباشر؟ وما أسباب الاستثناء؟ وما الكميات أو الخدمات المتفق عليها؟ وما الذي نُفذ فعلًا؟ وما آليات الاستلام والمراجعة والدفع؟ فالصمت في مثل هذه الملفات لا يصلح جوابًا، ولا يليق بدولة تريد أن تستعيد ثقة مواطنيها ومموليها ومستثمريها.
ولا يعني ذلك رفض الشراكات أو الخبرات الخاصة؛ فقد تحتاج الدولة إلى شركات مؤهلة، وخبرات متخصصة، وقد تفرض الحرب أحيانًا إجراءات عاجلة. لكن الفرق كبير بين السرعة المنضبطة والسرعة المنفلتة، وبين شراء خدمة بشروط سيادية واضحة، وبين تسليم ملف حساس لمن لا تُعرف صلته وملاكه وحدود مسؤوليته. فالدولة الذكية لا تبيع مفاتيحها، ولا تجعل التحديث طريقًا لخصخصة صامتة لمفاصلها، ولا تجعل العمل الإنساني جسرًا لمكاسب غامضة.
والطريق الصحيح ليس رفض الرقمنة ولا تعطيل المبادرات ولا شل القرار الحكومي، بل تحرير كل ذلك من الغموض والسمسرة. نحتاج إلى منظومة رقمية موحدة للجمارك، والضرائب، والموانئ، والمواصفات، والصادر والوارد، والمصارف، وسلاسل الإمداد، كما نحتاج إلى مبادرات إنسانية سريعة وفعالة، لكن ضمن هندسة وطنية موحدة، لا كجزر متفرقة تُمنح كل واحدة منها لجهة مختلفة، فتتعدد الرسوم، وتتضارب البيانات، ويضيع المواطن والتاجر والمحتاج بين واجهات لا يعلم من يقف خلفها.
فكما أن عدم استصحاب الرقمنة والحوكمة والمنصات الحديثة في إدارة الدولة من لوازم التخلف الإداري والاقتصادي، فإن تنزيل حزم التحديث بصورة مجتزأة ومتفرقة، ومن غير رؤية كلية ضابطة، قد يكون أشد ضررًا وأعمق أثرًا؛ لأنه لا ينقل الدولة من الفوضى إلى النظام، بل يمنح الفوضى أدوات أسرع وأوسع نفاذًا. فالمنصة إذا جاءت منفصلة عن الحوكمة، والرقمنة إذا سبقت الشفافية، والتحديث إذا دخل بلا قانون ورقابة ومراجعة، فإن النتيجة لا تكون دولة حديثة، بل بيئة محدثة قد تسمح بالفساد والجباية والاحتكار، وتفتح أبوابًا جديدة للنفوذ باسم التطوير.
كما يجب ألا تتحول المنصات الرقمية أو المبادرات الإنسانية إلى باب جباية أو ربح مستتر. فإذا فُرضت رسوم على خدمة رقمية، فينبغي أن تكون معلنة، معقولة، مرتبطة بخدمة حقيقية، داخلة في حسابات الدولة بشفافية. وإذا وُقّع عقد لتوريد سلال أو مساعدات أو خدمات للمتضررين، فينبغي أن تكون الكميات والأسعار والمواصفات والتسليم والفحص والدفع قابلة للمراجعة. فالرسوم الصغيرة المتكررة، أو الفروق السعرية في العقود الكبرى، قد تتحول إلى مبالغ ضخمة، إما أن تصب في خزينة عامة معلومة وخدمة حقيقية، أو تثير شبهة أن تتحول إلى مورد غير واضح لدوائر انتفاع جديدة.
ومتى ثبت، عبر تحقيق رسمي أو مراجعة مستقلة، تفريط أي مسؤول في أسس إدارة الدولة، بتمرير صفقات أو عقود أو تراخيص مضرة بمصلحة البلاد، أو مخالفة لمقتضيات الشفافية والمنافسة وحماية المال والبيانات العامة، فيجب ألا يمر ذلك بلا محاسبة. فالمسؤولية العامة ليست وجاهة ولا سلطة بلا تبعة، وإنما أمانة يترتب على التفريط فيها حساب مادي ومعنوي، واسترداد للحقوق، وإعلان واضح للمجتمع بما جرى وبما اتخذ من إجراءات؛ لأن إخفاء الأخطاء الكبرى يقتل ثقة الناس في الدولة، ويشجع على تكرارها، ويجعل الفساد أكثر جرأة وأشد رسوخًا.
فإن لم تُعلن الحقائق بوضوح، بقيت الشبهات معلقة، واتسعت مساحة التأويل، وصار من حق الرأي العام أن يطالب بمراجعة مستقلة، وتحقيق رسمي، ونشر نتائجه كاملة؛ لأن المال العام، وحقوق المتضررين، وبيانات الدولة، ليست شأنًا خاصًا يُدار خلف الأبواب المغلقة. والدولة التي تريد استعادة هيبتها لا تخاف البيان، بل تخاف الغموض؛ لأن البيان يقطع الطريق على الشائعة، أما الغموض فيمنحها غذاءها اليومي.
وليس المراد من هذا المقال تسليط الضوء على قضية بعينها وكأنها وحدها موضع الخلل، فربما تمر أضعاف أضعافها في الخفاء دون أن يسمع بها أحد أو تترتب عليها مساءلة ظاهرة. بل إن أكبر فساد يطال الدول ويدمر المجتمعات ويمنع النهضة ويشيع الظلم ويرسخ ديمومة انتهاب موارد الدولة، ليس ما يُكتشف من مخالفات هنا وهناك، مرة أو عشر مرات أو حتى مئات المرات، رغم عظيم سوء ذلك وخطره؛ وإنما الفساد الأكبر أن تبقى البيئة العامة مختلة، وأن يتأخر تنزيل حزمة إصلاحها المتكاملة، جهلًا أو قصدًا؛ إذ لا يكفي علاج بعض الوقائع بعد ظهورها ما لم يُقضَ على أصول الأسباب التي تنتجها. فما يُكتشف في البيئة المختلة، قياسًا إلى ما لا يُكتشف، لا يكاد يعدل شيئًا لا في العدد، ولا في الحجم، ولا في عمق الأضرار.
ولذلك فإن واجب المرحلة لا يقف عند البيان، ولا عند التحقيق، ولا عند محاسبة من يثبت تفريطه، على أهمية ذلك كله، بل يتجاوزه إلى تنزيل الحزمة المتكاملة للحل الجذري، متوازية لا متوالية؛ حزمة تقوم على التحرير الكامل المنضبط للنشاط الاقتصادي، وفتح المنافسة، وإزالة الامتيازات المصطنعة، وتوحيد الرسوم والجبايات، وإلغاء تعدد أسعار العملة، وتحرير سعر الصرف عبر منصة مركزية شفافة وفق العرض والطلب، وربط الجمارك والضرائب والموانئ والمصارف والمواصفات والتجارة الخارجية، وإقامة منظومة مشتريات عامة معلنة، ورقمنة محكومة وطنيًا، وقضاء ناجز، ومراجعة مستقلة، وإفصاح عن الملاك الحقيقيين للشركات. وعلى من بيده القرار أن يتفكر بهدوء وتدبّر في أن عدم تنزيل هذه الحزمة المتكاملة، عبر العقود الماضية، كان من أصول البلاء الكبرى التي رسخت التخلف، ووسعت أبواب الفساد، وأضعفت ثقة الناس في الدولة؛ وأن الاستمرار على ذات المنوال لن يبقي الأمر على ما هو عليه فحسب، بل قد يقود، لا قدّر الله، إلى مآلات أشد قتامة وأفدح كلفة. فهذه العناصر ليست بدائل متفرقة، بل أجزاء حل واحد؛ إذا نزل بعضها دون بعض بقيت الثغرات مفتوحة، وإذا نزلت مجتمعة أغلقت أبواب الفساد من جذورها.
ومن هنا فإن العلاج الحقيقي لا يكون بمطاردة كل واقعة بعد وقوعها فحسب، بل بإنزال هذه الحزمة المؤسسية المتكاملة التي تمنع إمكان حدوث مثل هذه الاختلالات من أصولها وجذورها. فالدولة التي تُدار بأنظمة ضابطة، وعطاءات معلنة، ورقابة رقمية، ومراجعة مستقلة، وقضاء ناجز، وشفافية مالية، لا تترك مجالًا واسعًا للعقود الغامضة ولا للتراخيص المريبة ولا للامتيازات التي تنشأ في الظل.
فإذا نزلت هذه الحزمة متوازية، صارت الرقمنة أداة للسيادة والكفاءة والشفافية، وصارت المبادرات الإنسانية بابًا للرحمة والعدل، وصارت العقود والتراخيص الحكومية وسيلة لخدمة الدولة والمواطن لا لخدمة شبكات المصالح. أما إذا أخذنا منصة من هنا، ورخصة من هناك، وتعاقدًا مباشرًا من جهة ثالثة، ومبادرة إنسانية من جهة رابعة، وتركنا البيئة العامة كما هي، فإننا لا نبني دولة ذكية، بل نمنح الفوضى القديمة قناعًا رقميًا وإنسانيًا جديدًا.
ويبقى عدم المسارعة إلى تنزيل هذه الحزمة المتكاملة، المتوازية لا المتوالية، من أكبر ما يثير تعجب المرء في إدارة شأن البلاد؛ إذ لم يعد الأمر خيارًا فكريًا ولا مقترحًا نظريًا، بل شرط نجاة. فكل تأخير في إنزالها يعني بقاء الأبواب مفتوحة للعقود الغامضة، والتراخيص المريبة، والجبايات المتعددة، والفساد المتجدد، وفقدان الثقة في الدولة، وإغلاق أبواب الاستثمار والتنمية؛ إذ لا يغامر المستثمر الجاد في بيئة لا تستقر فيها القواعد، ولا تتضح فيها الرسوم، ولا تُحمى فيها المنافسة، ولا يطمئن فيها إلى العملة والقضاء والعقود. وهذه، في تقديري، من أعظم القوارع التي تعمل على إضعاف البلاد من داخلها، لا لأنها أزمة واحدة، بل لأنها تُبقي أصل الأزمات قائمًا يتكرر بأسماء وصور مختلفة.
إن السيادة في زمننا لم تعد تُقاس بالحدود والسلاح وحدهما، بل تُقاس أيضًا بمن يملك البيانات، ومن يتحكم في المنصات، ومن يدير العقود، ومن يعرف حركة المال والسلع، ومن يصل إلى ملفات العون والاحتياج قبل غيره. والدولة التي تريد أن تكون ذكية لا يكفي أن تُدخل الحاسوب والمنصات، بل يجب أن تجعل كل منصة حساسة خاضعة لملكية الدولة أو سيادتها المباشرة، وأن تُدار العقود عبر منصة مشتريات معلنة، تُنشر فيها الشروط والجهات المتقدمة وأسباب الاختيار والشراء المباشر عند الضرورة، مع الإفصاح عن الملاك الحقيقيين للشركات، وربط الدفع بالإنجاز الفعلي، وتوثيق الاستلام والفحص رقميًا، وإخضاع كل ذلك لمراجعة مستقلة وقضاء ناجز. فالتحول الذي نريده ليس بابًا لجباية جديدة، ولا جسرًا لشركات غامضة، ولا ستارًا لعقود إنسانية ملتبسة، بل طريقًا لدولة واضحة، عادلة، سريعة، قوية، تملك مفاتيحها بيدها، وتفتح أبوابها للمنافسة الشريفة، وتحاسب كل من يثبت تفريطه في أمانتها أو إخلاله بمفاصلها السيادية.





