مقالات

بين الحب والتوبة… عندما يكون الرحيل طاعةً لله

عبق الذاكرة| هدى الخليفة النور

ليس كل من يغادر خائنًا، وليس كل من يبتعد قد مات الحب في قلبه. فثمة رحيل لا تصنعه الخيانة، ولا يفرضه الملل، وإنما تمليه يقظة الضمير حين يستيقظ القلب من غفلته، ويقرر صاحبه أن يفتح صفحة جديدة مع الله.
في زمن أصبحت فيه العلاقات تُقاس بمدة البقاء لا بصدق المقاصد، يبدو قرار الانسحاب من أجل التوبة غريبًا على كثيرين. فالبعض يراه هروبًا من المسؤولية، وآخرون يعدّونه قسوة لا مبرر لها. لكن الحقيقة أن الإنسان حين يعزم على التوبة الصادقة، يجد نفسه أمام امتحان عسير، يراجع فيه كل ما مضى، ويعيد ترتيب أولوياته، ويختار ما يراه أقرب إلى رضا الله، ولو كان الثمن قلبًا يتألم.
التوبة ليست شعارًا يُرفع، ولا كلمات تُقال في لحظة عابرة، وإنما هي انتقال من حال إلى حال، ومن حياة تغلبها الأهواء إلى حياة يسعى صاحبها فيها إلى تزكية نفسه. ولهذا، قد يختار بعض الناس إنهاء علاقة عاطفية يرون أنها لا تقوم على أساس يرضي الله، لا لأن مشاعرهم زالت، بل لأنهم يريدون أن تبدأ حياتهم الجديدة بما ينسجم مع قناعاتهم.
غير أن هذا القرار، مهما كانت دوافعه، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لكسر القلوب أو تجاهل المشاعر. فالدين الذي يدعو إلى التوبة هو نفسه الذي يأمر بحسن الخلق، ويحفظ للناس كرامتهم، ويجعل الصدق والوضوح من شيم المؤمن. لذلك، فإن أجمل صور الرحيل هي تلك التي تترك خلفها الاحترام، لا الجراح، والدعاء، لا الضغائن.
ومن يعيش ألم هذا الفراق، عليه أن يدرك أن الحب لا يكون امتحانًا للإيمان، ولا منافسًا للطاعة. فمن أحب بصدق، لا يتمنى لمن يحب إلا الخير، حتى وإن كان الخير يعني أن يفترق الطريقان. فالحب الذي يقود إلى الخير يبقى حبًا كريمًا، أما الذي يطالب صاحبه بأن يؤجل توبته أو يساوم على مبادئه، فإنه يفقد شيئًا من معناه.
ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه المواقف أن الله إذا أغلق بابًا بحكمته، فإنه يفتح أبوابًا أخرى برحمته. فما يُترك ابتغاء مرضاته لا يضيع، وما يُفقد في سبيله يعوضه سبحانه بما هو خير، في الوقت الذي يقدره، وبالصورة التي يعلم أنها أصلح لعباده.
إن العلاقات التي تنتهي من أجل معصية تختلف عن تلك التي تنتهي من أجل طاعة. الأولى تترك في النفس حسرة، أما الثانية، ورغم وجعها، فقد تترك معها سلامًا داخليًا، لأنها قامت على اختيار يراه صاحبه أقرب إلى الله.
وأخيرًا… لعل أوجع أنواع الفراق أن ترحل القلوب وهي ما زالت تحب، لكن عزاءها أن ما كان لله لا يضيع، وأن القلوب التي أخلصت في نيتها، وصدقت في توبتها، تجد عند الله من السكينة والعوض ما يفوق كل ما فقدته في الطريق.
سنعود ……

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى