مقالات

الكهرباء في السودان… رؤية إصلاحية من وحي مبادرة شعبية

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

اطلعت على وثيقة متداولة في بعض الوسائط، منسوبة إلى الهيئة الشعبية الوطنية للمساهمة في حل مشكلة الكهرباء في السودان، تضمنت مادة واسعة، وشارك في إعدادها ونقاشها — بحسب ما ورد فيها — عدد كبير من المهندسين والخبراء والمسؤولين السابقين والحاليين والمغتربين والمهتمين بالشأن العام. وفحوى الوثيقة، في اختصار شديد، أن أزمة الكهرباء في السودان ليست أزمة توليد وحدها، ولا أزمة تمويل وحدها، بل أزمة ممتدة لأكثر من نصف قرن، فاقمتها الحرب الأخيرة، وكشفت هشاشة البنية التحتية، وضعف التخطيط والحوكمة والتمويل والرقابة. وبصرف النظر عن حاجة بعض الأرقام الواردة في الوثيقة إلى تحقق رسمي أو توثيق أدق، فإن قيمتها الكبرى أنها تفتح نقاشًا وطنيًا جادًا حول أصل الأزمة وطريق الخروج منها، وتؤكد أن الحلول الفنية والخبرات الوطنية والخطط العامة ليست غائبة، وإنما الغائب الأكبر هو الإرادة المؤسسية القادرة على تحويل الخطط إلى تنفيذ، واستعادة الكفاءات، وبناء الثقة بين المواطن والدولة والمستثمر.

وتقترح الوثيقة مسارًا وطنيًا داعمًا للدولة لا بديلًا عنها، يقوم على استكمال المشروعات العاجلة، وتأهيل المحطات المعطلة، وتوفير المحولات، وتقليل الفاقد، وإصلاح الهياكل المؤسسية، وإدخال الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الموزعة، وفتح أبواب التمويل الشعبي والاستثماري، وفق ضوابط شفافة تمنع أن تتحول المبادرة من باب أمل إلى باب خيبة جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن التعليق على هذه الوثيقة لا ينبغي أن يقف عند حدود الإشادة العامة، ولا عند نقد التفاصيل، بل يجب أن ينظر إلى الكهرباء باعتبارها مدخلًا عمليًا لإصلاح الدولة والاقتصاد معًا.

فالوثيقة، من حيث الأصل، تمثل جهدًا وطنيًا مقدرًا؛ لأنها تنقل قضية الكهرباء من خانة الشكوى إلى خانة التفكير المنهجي، وتحاول جمع الخبرة الفنية، والتجربة التاريخية، والتمويل الشعبي، والرؤية المستقبلية في إطار واحد. وأهم ما فيها أنها لا تنظر إلى الكهرباء كخدمة معزولة، بل كشرط أساسي للإنتاج والزراعة والصناعة والتعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي. فلا نهضة إنتاجية حقيقية بلا كهرباء مستقرة، ولا استثمار بلا طاقة مأمونة، ولا تصنيع بلا شبكة موثوقة، ولا رفاه للمواطن مع قطوعات يومية تستنزف المال والوقت والأعصاب.

وتحسن الوثيقة حين تؤكد أنها مسار داعم للدولة لا بديل عنها؛ لأن قطاع الكهرباء قطاع سيادي معقد، لا يمكن أن يدار بالعاطفة وحدها، ولا بالمبادرات الشعبية وحدها، مهما حسنت النيات. غير أن قيمة المبادرة الشعبية هنا أنها توقظ الوعي، وتحشد الخبرات، وتدفع الدولة إلى الإصغاء، وتذكّر بأن السودانيين في الداخل والخارج يملكون طاقات فنية ومهنية ومالية يمكن أن تكون سندًا حقيقيًا، إذا وجدت قناة رسمية شفافة ومحترمة.

وأقوى ما في الوثيقة أنها تميز بين العرض والسبب؛ فضعف التوليد، وانهيار الشبكات، ونقص المحولات، وتعطل المحطات، كلها مظاهر مباشرة، لكن السبب الأعمق هو غياب التخطيط المؤسسي المستمر، واضطراب الهياكل، وضعف الحوكمة، وتهميش جهاز التنظيم، وتعطل الخطط، وتبدل السياسات، وغياب التمويل المستدام. ولذلك فإن علاج الكهرباء لا ينبغي أن يقف عند شراء مولدات أو تركيب ألواح أو إصلاح محطة، بل يجب أن يبدأ بإصلاح طريقة إدارة القطاع نفسه.

ومع ذلك، فإن كثرة المقترحات داخل الوثيقة تحتاج إلى ترتيب صارم للأولويات. فالوثيقة تجمع بين الإسعافي والعاجل والمتوسط والاستراتيجي، وبين التوليد الحراري والمائي والشمسي والرياح والنووي، وبين التمويل الشعبي والاستثماري والحكومي والدولي، وبين إصلاح التعرفة وإصلاح الشبكة وإصلاح الجهاز التنظيمي. وهذا الاتساع مفيد في مرحلة العصف الذهني، لكنه عند الانتقال إلى التنفيذ قد يتحول إلى تشتت إن لم يُختصر في مصفوفة عملية واضحة: ماذا يُنفذ خلال أول مائة يوم؟ وماذا خلال عام؟ وماذا خلال ثلاث سنوات؟ وما المشروعات التي لها أعلى أثر بأقل تكلفة وأقصر زمن؟

ومن الناحية العملية، فإن الأولوية العاجلة ينبغي أن تُعطى لما يعيد أكبر قدر من الطاقة بأسرع زمن وبأقل تكلفة، مثل استكمال المحطات المتقدمة في الإنجاز، وتأهيل الوحدات القائمة، وتوفير المحولات الحرجة، وتقليل الفاقد، ومعالجة التعديات، واستعادة مراكز التحكم والنقل. فالطاقة الجديدة مهمة، لكن استرداد الطاقة المعطلة غالبًا أسرع وأرخص من بناء طاقة جديدة من الصفر، خاصة في بلد يمر بظرف حرب، وتضيق فيه العملة الصعبة، وتتزاحم عليه حاجات الأمن والغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

أما الطاقة الشمسية، فهي خيار استراتيجي لا يمكن تجاوزه، خصوصًا في السودان بما لديه من إشعاع شمسي واسع، واتساع جغرافي، وارتفاع تكلفة الوقود الحراري. لكن إدخال الطاقة الشمسية يحتاج إلى عقل فني لا إلى حماس عام فقط؛ إذ لا بد من معايير جودة صارمة للألواح والعواكس والبطاريات، وربط منظم بالشبكة، وعدادات ثنائية الاتجاه، وتعرفة واضحة لشراء الفائض، ومنع دخول المعدات الرديئة، وتدريب فنيين، وتوفير صيانة وقطع غيار، وضبط التمويل حتى لا يتحول السوق إلى فوضى جديدة تضر المواطن بدل أن تخدمه.

وكذلك فإن فكرة الطاقة الموزعة مهمة جدًا؛ لأن السودان بلد واسع، ونقل الكهرباء لمسافات طويلة مكلف ومعرض للأعطال والاعتداءات، وقد كشفت الحرب جانبًا من هشاشة الاعتماد المفرط على مراكز محدودة. لذلك فإن توزيع التوليد، خاصة بالطاقة الشمسية والرياح والأنظمة الهجينة، يمكن أن يزيد مرونة الشبكة، ويخدم المدن والولايات والمشروعات الزراعية والصناعية بعيدًا عن مركزية خانقة. غير أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى شبكة قومية قوية، بل يفرض بناء منظومة تجمع بين المركزية الضرورية واللامركزية الذكية.

وفي جانب التمويل، تبدو مقترحات الصناديق الشعبية والشركات المساهمة وتمويل المغتربين جذابة، لكنها لا تنجح إلا بشرط الشفافية المطلقة. فالثقة هي رأس المال الأول في مثل هذه المبادرات. ولا يجوز أن يُطلب من المواطن أو المغترب أن يساهم بماله دون حوكمة صارمة، وحسابات منشورة، ومراجعة مستقلة، ومجلس أمناء موثوق، ومشروعات محددة، وجداول تنفيذ، ومؤشرات أداء. فالمال الشعبي إذا أُدير بغير شفافية قد يتحول من أداة حل إلى مصدر إحباط جديد وفقدان أعمق للثقة.

وتشير الوثيقة كذلك إلى التعرفة، وهذه من أعقد القضايا. فالكهرباء لا يمكن أن تستقر إذا كان سعرها أقل بكثير من تكلفة إنتاجها ونقلها وصيانتها، كما لا يجوز أن تُترك الأسر الفقيرة تحت عبء تعرفة قاسية. والحل ليس الدعم العشوائي، بل الدعم الذكي: شريحة أساسية ميسرة للاستهلاك الضروري، وتسعير اقتصادي للاستهلاك العالي والأنشطة القادرة، وتشجيع كفاءة الطاقة، ومنع الهدر، وربط الخدمة بالجودة. فالمواطن الذي يدفع مقدمًا عبر العداد يمكن أن يتقبل تعرفة عادلة إذا وجد خدمة مستقرة، وشفافية في التسعير، وعدالة في التحصيل، ومحاسبة للتعديات والفقد. أما أن يدفع مقدمًا ثم لا يجد خدمة موثوقة، أو يرى الفاقد والتعديات والاختلالات تمضي بلا ضبط، فذلك مما يضعف الثقة ويجعل أي إصلاح للتعرفة محل مقاومة وريبة.

ومما يستحق التوقف عنده حديث الوثيقة عن الفاقد الكبير. فالبلد الذي يفقد نسبة ضخمة من الكهرباء بين فني وتجاري لا يحتاج فقط إلى زيادة التوليد، بل يحتاج إلى ضبط الشبكة والعدادات والتحصيل والتعديات. تقليل الفاقد هو في حقيقته محطة توليد غير مرئية؛ لأنه يعيد طاقة موجودة إلى الاستخدام دون بناء سد أو محطة جديدة. ولذلك فإن حملة وطنية جادة لمعالجة الفاقد، مدعومة بالقانون والرقمنة والعدادات الذكية والعدالة في التحصيل، قد تكون من أسرع أبواب التحسن.

لكن كل ذلك لا يكتمل إلا بإصلاح مؤسسي عميق. فالسؤال ليس فقط: كم ميغاواط نحتاج؟ بل: من يخطط؟ ومن ينفذ؟ ومن يراقب؟ ومن يشتري؟ ومن يحدد التعرفة؟ ومن يحاسب؟ ومن يملك الأصول؟ وما علاقة الشركات بالجهاز التنظيمي والوزارة والمالية؟ إن غموض الهياكل، وتداخل الصلاحيات، وغياب مجالس الإدارات، وضعف الجهاز الرقابي، كلها أمراض تجعل أي خطة فنية عرضة للتعطل. ولذلك فإن إصلاح الكهرباء يبدأ من الحوكمة قبل المحطة، ومن وضوح المسؤولية قبل التمويل.

والوثيقة، رغم قوتها واتساعها، تحتاج قبل رفعها للجهات الرسمية إلى تنقيح تنفيذي أكثر اختصارًا؛ فالجهات السياسية والتنفيذية تحتاج إلى نسخة مركزة تعرض الأزمة، وأولويات المائة يوم، والتكلفة التقديرية، والجهة المنفذة، والتمويل، والعائد المتوقع، والمخاطر، والقرار المطلوب. أما النسخة الطويلة فتكون مرجعًا فنيًا وتاريخيًا. والخلط بين الوثيقة الفنية المطولة والمذكرة التنفيذية المختصرة قد يضعف أثرها عند صانع القرار.

كما ينبغي أن تُعرض الأرقام الواردة في الوثيقة بقدر من التحفظ المهني؛ فبعض الأرقام عن الإنتاج، والفقد، والتدمير، والكلفة، وحجم الاحتياج، تحتاج إلى تحقق رسمي أو إلى بيان مصدرها. فالوثيقة كلما ضبطت مصادر أرقامها، زادت قوتها ومصداقيتها، وصارت أقرب إلى أن تعتمدها الدولة أو المستثمرون. والأرقام الكبيرة، إن لم توثق، قد يستخدمها الخصوم للطعن في كامل الجهد، ولو كان أصله صحيحًا.

ومع التقدير الكامل لهذه المبادرة، فإن القاسم الأكبر لنجاح أي خطة للكهرباء، كما هو شأن كل قطاعات الدولة، هو صلاح البيئة العامة. فمشروعات الكهرباء لا تنجح في فراغ، بل تحتاج إلى قوانين واضحة، وعقود محكمة، وقضاء ناجز، وضمانات استثمار، وسعر صرف حر شفاف عبر منصة مركزية معلنة وفق العرض والطلب، حتى يعرف المستثمر والمورد والممول تكلفة تعاقداته، ولا تُدار المشروعات على أسعار متعددة أو تقديرات غير مستقرة، وتوحيد للرسوم والجبايات، ورقمنة للمشتريات والعقود والتحصيل، ومكافحة للفساد، واستقرار في السياسات، وثقة في المصارف، وحماية للبنية التحتية. فإذا بقيت البيئة العامة مختلة، فقد تتعثر حتى أفضل الخطط، وقد يهرب المستثمر، وقد يحجم المواطن عن المساهمة، وقد تضيع الأموال بين البيروقراطية والفساد والتسييس.

ومن هنا فإن حل أزمة الكهرباء لا يكون بمجرد محطة هنا أو صندوق هناك، بل بحزمة متكاملة تنزل متوازية لا متوالية: إصلاح مؤسسي للقطاع، وبرنامج إسعافي لاستعادة الطاقة المعطلة، وخطة للطاقة الشمسية والرياح والطاقة الموزعة، وضبط للفاقد والتحصيل، وتعرفة عادلة وذكية، وتمويل شفاف، وشراكة جادة بين الدولة والمجتمع والخبراء والمغتربين والقطاع الخاص. أما أن نأخذ جزءًا ونترك بقية الأجزاء، فذلك ما ظل يكرر الأزمة بأسماء جديدة. وهذه الطاقة العلمية والشعبية لا ينبغي أن تُهدر، بل ينبغي أن تُحوّل إلى برنامج قابل للتنفيذ، عبر اختصار تنفيذي، وترتيب أولويات، وتوثيق أرقام، وحوكمة تمويل، وربط رسمي واضح، ثم إدماجها في إصلاح عام لبيئة الدولة. فإذا تحقق ذلك، فإن الكهرباء يمكن أن تكون أول باب عملي يثبت أن السودانيين، حين يجمعون العلم والإرادة والشفافية والبيئة الصالحة، قادرون على تحويل الأزمة إلى مشروع نهضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى