
أثار إتفاق تطوير النحاس في شرق السودان جدلاً تجاوز وزارة المعادن إلى أسئلة مهمة تتعلق بالعقود الحكومية في ظل الحرب والتحولات الإقليمية. وبين مطالبات بالشفافية واعتبارات الأمن القومي، يظل التحدي في تحقيق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومقتضيات الدولة في هذه المرحلة المعقدة. عليه يسعى هذا المقال إلى مقاربة الملف من زاوية قانونية وسياسية وأمنية لفهم كيفية إدارة موارد الدولة.
مؤكد أن الشفافية ركيزة للحكم الرشيد وحماية المال العام وتعزيز الثقة في الحكومة، لكنها في إدارة الملفات الإستراتيجية تقوم على موازنة دقيقة بين حق المواطنين في المعرفة وواجب الدولة في حماية مصالحها العليا. لذلك فإن اختزال الشفافية في كشف جميع التفاصيل، أو ربط السرية بالفساد، يتجاهل مقتضيات الأمن القومي.
في مثل هذه الظروف الانتقالية، لا تعود العقود مجرد اتفاقيات قانونية، بل تتحول إلى أدوات أمنية تمس موقع الدولة في النظام الدولي، وتحدد قدرتها على التفاوض والبقاء ضمن خرائط النفوذ. ومن هنا يصبح الجدل حول الشفافية ليس جدلًا حكيماً، بل صراعًا بين منطقين: منطق الإفصاح الكامل بوصفه قيمة مطلقة تحكم المعاملات، ومنطق الدولة بوصفها كيانًا تفاوضيًا حذر يعمل داخل بيئة غير شفافة متربصة.
من هنا فإن ربط السرية بالفساد، أو اعتبار النشر الفوري لكل تفاصيل التفاوض معيارًا وحيدًا للشفافية، يمثل قراءة سطحية لطبيعة إدارة الملفات الحساسة. فالدولة لا تتصرف كفاعل إداري، بل كفاعل استراتيجي، يمتلك ما يمكن تسميته ” بحق التدرج في الإفصاح”، وفقًا لحساسية المرحلة والتقديرات الأمنية.
تؤكد تجارب الدول في أوقات الحروب أن السرية ليست نقيضًا للشفافية، بل أداة لحماية القرار الوطني، إذ تصبح المعلومات جزءًا من معادلة القوة. لذلك تُدار بعض العقود بعيدًا عن العلن، لا لإخفاء الفساد، وإنما لصون مسار التفاوض من الضغوط أو الإفشال .
في الحالة السودانية، اكتسبت السرية بعدًا مهما ًبفعل سنوات الحصار والعقوبات، التي فرضت إدارة بعض المشروعات بعيدًا عن العلن حمايةً لمسار التفاوض من الضغوط و الإجهاض، لا تسترًا على الفساد. وقد أثبتت تجربة سد مروي في تخطيط مراحله الاولي جدوى هذا النهج، فيما جسدت تجربة مصنع سكر مشكور كيف يمكن للتسريبات والضغوط أن تُجهض مشروعًا إستراتيجيًا، بما يؤكد أن السرية، في ظروف استثنائية، قد تكون ضرورة تمليها اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الوطنية.
فالعقود المتعلقة بالمعادن والطاقة والموانئ والموارد المائية والبنية التحتية لم تعد مجرد اتفاقيات اقتصادية، بل أصبحت أدوات لتعزيز النفوذ والمكانة الجيوسياسية، والأمن القومي، في عالم تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد.
لذلك لا يُقاس تقييم الاتفاقيات الحكومية بما يُنشر من تفاصيل أثناء التفاوض، بل بصلابة المسار الحكومي الذي صاغها ونتائجها للدولة. فالشفافية هنا ليست نشرًا آنيًا لكل الوثائق، بل خضوع القرار لمراجعات قانونية وفنية ومالية داخل مؤسسات الدولة، مع قابلية المساءلة لاحقًا. وفي مشروع النحاس، تكشف أن وفد التفاوض مكون من وزير العدل، وجهاز الأمن والمخابرات، والأجهزة المختصة، والخبراء، بما يعكس إدارة جماعية للملف، هذا يجعل الحكم عليه مرتبطًا بالوقائع لا الانطباعات.
وفي المقابل، فإن الدولة مطالبة، بعد زوال المقتضيات الأمنية التفاوضية، بأن تفصح عن الممكن ، لأن بناء الثقة يتحقق بإرساء تقاليد تجعل الشفافية قاعدة، والاستثناء محكومًا بضرورات الأمن القومي وحدها. فالإفراط في الكتمان يضعف ثقة الناس، كما أن الإفراط في كشف الأوراق قد يضعف موقف الدولة ويقيد قدرتها على حماية مصالحها.
تتجلى هنا مسؤولية الإعلام، فهو ليس مطالبًا بالتخلي عن دوره الرقابي، ولا بالتحول إلى أداة لتبرير السلطة، بل بالموازنة بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن القومي. فالمهنية تقتضي التمييز بين ما يُنشر لحظيًا وما يرتبط بالواقع الراهن، بحيث لا تُقاس الصحافة بقدرتها على الكشف، بل بحسن تقديرها للنشر وحدوده بما يخدم الوطن.
إن السودان وهو يستعد لإعادة الإعمار، لا يحتاج إلى تدفقات استثمارية فحسب، بل إلى رؤية جديدة لإدارة موارده، لتنظر إلى الذهب والنحاس والزراعة والمياه والطاقة والموانئ بوصفها أدوات للقوة الوطنية، وإلى العقود الرسمية باعتبارها ركيزة لبناء الدولة وحماية القرار الوطني. والتحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الشفافية والأمن القومي، وإنما في بناء مؤسسات قادرة على الموازنة بينهما، تجعل الشفافية أصلًا، والسرية استثناءً تمليه المصلحة الوطنية. وعندها تتحول العقود السيادية من اتفاقيات اقتصادية إلى أدوات لترسيخ السيادة ودفع التنمية المستدامة.
لذلك، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن الرهان الحقيقي ليس في الإفراط بالشفافية أو التحكم في السرية، بل في بناء مؤسسات توازن بين حق المجتمع في المعرفة وحماية المصالح العليا للدولة. فحين تُدار الموارد والعقود الحكومية وفق القانون والمصلحة الوطنية، تتحول من وثائق قانونية إلى أدوات لترسيخ السيادة وصناعة القوة وبناء مستقبل السودانيين.
دمتم بخير وعافية.
السبت 4 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com




