
لاحت لنا بشائر الفرج ونحن نقتفي أثر النجاة، إذ تجلى أمامنا أسفلت الطريق القومي الرابط بين “أبو حريرة” و”الفاو” عصر الأربعاء السابع من أغسطس 2024م، وكأن ذلك الخط الأسود الممتد وسط التلال والجبال هو حبل الوريد الذي سيعيد إلينا الحياة.
▪️ كان مقصدنا سوق “أبو حريرة”، بوابتنا التي نأمل أن تفتح لنا دروب الأمان، حيث انطلقتُ بصحبة “ودبوش” والشاذلي في سعي حثيث للظفر بـ”الاسبير” الذي تسبب في تعطل مركبتنا، محاولين إعادة الروح لآلتنا التي خذلتنا في خضم حربٍ أكلت الأخضر واليابس، بينما كانت تلك القهاوي المتناثرة على أطراف الطريق شاهدةً على محاولاتنا اليائسة للوصول.
▪️ توجهنا بعدها إلى “الفاو” التي لم تكن بأفضل حالٍ من “أبو حريرة”؛ بل وجدناها تغلي بمظاهر الاستنفار العام، حيث كانت المظاهر العسكرية الكثيفة تفرض نفسها في كل ركن، وتمركزات القوات والارتكازات المتباعدة تضفي على المدينة صبغةً أمنيةً صارمةً، مما جعلها مدينة لا تنام، تضج بالحركة المريبة والتدقيق الأمني الذي يحيط بكل قادم.
▪️ كانت تلك ليلتنا الأولى في مدينة نعدها آمنةً منذ اندلاع هذه الحرب، لحظات امتزج فيها رعب ما عشناه بحذرٍ شديد، بينما كانت أنوار المقاهي الخافتة تعكس وجوه النازحين التي أنهكها التوجس، ورسم عليها رعب ما عايشوه من انتهاكات المليشيا تقاسيم حزينة لا تمحوها كل أفراح الدنا لو اجتمعت عليهم حينها.
▪️ مع تباشير صباح الخميس، استأنفنا رحلة البحث المضنية، جُبنا الأسواق وسط هذا الوجود العسكري المكثف، وتوغلنا في أزقة “الفاو”، لكن دون جدوى. أدركنا أن العطل أكبر من أن يُداوى بقطعة غيار، ولم يعد أمامنا سوى خيار استئجار “لودر” لسحب البص المتعطل في نقطة نائية تبعد عنا نحو 80 كيلومتراً.
▪️ وجد أصحاب تلك الآليات في ضعف حالنا وقلة حيلتنا فرصةً للربح، فغالوا في الثمن بمبالغ فاقت قدرة “ودبوش” و”الشاذلي” (مالك البص)، مما زاد من ثقل همنا في تلك المدينة التي تحولت إلى محطة انتظار كبرى للقادمين من جحيم المعارك ومن جفاف المسالك الوعرة.
▪️ اقترب عصر الخميس الثامن من أغسطس، توجهتُ بصحبة رفاقي إلى موقف القرية 35 بسوق “الفاو”، بعدما استقر الرأي على ذهابي إليها لطمأنة النساء والأطفال الذين سبقوني إليها بيومين… ودعتُ “ودبوش” و”الشاذلي” اللذين عادا أدراجهما لمواصلة رحلة البحث عن “الاسبير” أو العمل على إحضار البص المتعطل إلى “أبو حريرة” لإصلاحه.
▪️ استقليتُ مركبة “بوكس 78″ مكشوفة لتمضي بنا في طرق وعرة نحو ملاذٍ مؤقت. اكتظ “البوكس” بالركاب حتى كادت أنفاسنا تختنق، وقفت طوال ساعتين على قدم واحدة، أتقلب بين ألم الجسد المرهق ولهفة الاطمئنان على فلذات كبدي وبقية النساء والأطفال، وهي قوة خفية كانت تدفعني لأتجاوز كل هذا العناء بحثاً عن بصيص أمان.
▪️ بلغتُ القرية 35 بهيئةٍ أشبه بأهل الكهف، فاستقبلتني دموع الفرح من أسرتي الصغيرة والركاب المتخلفين عن البص.. ذلك المشهد الذي لن تمحوه الذاكرة، حيث انهمرت مشاعر النساء والأطفال في لحظة استرجاع الروح، فالأرواح التي كادت تزهق من قلق الانتظار قد عادت للحياة بمجرد رؤية وجهي.
▪️ كان اللقاء حاراً ينبض بالبقاء، يغسل عني غبار الطريق وذكريات الخوف، كأنه عناق مسافر عاد لأهله بعد غياب طويل، حيث احتضنت الأطفال الذين فقدوا براءة أيامهم في دروب النزوح، وحاولت بكلماتي أن ألملم شتاتهم وأطرد وحشة الغربة التي سكنت عيونهم.
▪️ بتُّ ليلتي تلك في الصالون الكبير الذي يحتشد فيه رجال القرية، وكان استقبالهم لي بمثابة بلسمٍ للجراح، حيث تبادلنا الأحاديث عن حال الحرب ومآلات النزوح على صواني العشاء التي جاءت من كل بيت قريب بكل كرم وسخاء.
▪️ ومع إشراقة الصباح، بدأنا رحلة البحث عن مخرج، فتواصلت مع “ودبوش” عبر تقنية “الاستارلينك” لتعويض غياب الشبكات. وبصعوبة بالغة، نسقنا لترحيل العالقين من النساء والأطفال من القرية 35 نحو “الفاو”، لحظتها بدأت تتشكل أولى ملامح الأمل في الخروج من تلك المنطقة التي حاصرتنا فيها ظروف الحرب القاسية، بعيداً عن أزيز الرصاص ومخاطر الطريق التي تترصدنا في كل خطوة نخطوها نحو المجهول.
▪️ اتفقنا مع صاحب “دفار” بمبلغ 250 ألف جنيه لنقل العالقين من النساء والأطفال من القرية 35 إلى مدينة “الفاو”، وتحركنا بعد صلاة الجمعة، لنصل “الفاو” عصراً. التقينا بـ”ودبوش” الذي طمأننا بأن “اللودر” قد اتجه لإحضار البص، حيث كان الرجال والشباب قابعين هناك في سهل البطانة يحرسون البص والمتاع تحت لهيب الشمس.
▪️ لم يطل انتظارنا، فبعد ساعات.. ومع مغيب شمس ذاك اليوم.. اكتمل شمل العائلة، وانزاح عن كواهلنا ثقل القلق الذي رافقنا أياماً، لنستعيد جزءاً من ذواتنا التي تفرقت في دروب النزوح، مدركين أن التلاحم هو سلاحنا الوحيد للبقاء.
▪️ اجتمعنا جميعاً على وجبة جماعية أُعدت بحب من قِبل “ودبوش” و”الشاذلي” وشخصي على جنبات قهاوي “أبو حريرة”، ضمت القادمين من القرية 35، والقادمين من سهل البطانة من الشباب والرجال الذين كانوا يقاسون العناء حراسةً للبص في الخلاء. كان مشهداً عائلياً يختصر كل مآسينا، حيث التلفنا حول “صحون” الطعام بقلوب وجلة لكنها متماسكة، أزالت وحشة السفر وكآبة المناظر التي اعتدناها.
▪️ شكلت تلك الوجبة رغم بساطتها انتصاراً على الظروف، وشكراً لله الذي نجانا من سوء المنقلب، ومنحنا فرصة لنرى فجر يوم جديد، نستجمع فيه قوانا ونعيد ترتيب خطواتنا نحو مصير مجهول نأمل أن يكون أفضل.
▪️ فجر السبت العاشر من أغسطس، بدأت ملامح الرحلة النهائية تتضح، استأجر “ودبوش” حافلتين لنقل الركاب نحو “القضارف”. كانت الأجواء مشحونة بالأمل والتوجس معاً، وفي الطريق، اصطدمنا بالواقع المر عند أول ارتكاز للجيش.
▪️ بعد نحو ساعتين من المسير البطيء، وصلنا ارتكاز “الخياري” بعد قطعنا لنحو 60 كيلومتراً، فبدأت معنا
إجراءات التدقيق الأمني التي تفرضها الاستخبارات العسكرية. ندرك تماماً أن هذه الإجراءات، رغم قسوتها على نفس المسافر والنازح، تظل ضرورةً أمنيةً لا غنى عنها في ظل حالة الحرب، لضمان حماية المجتمعات المستقرة من تسلل عناصر المليشيا وأعوانها الذين يتربصون بالمدن الآمنة. ورغم ما صاحب ذلك من تحقيقٍ وتدقيقٍ قد يبعث على الريبة تجاه كل قادم، إلا أننا ننظر إليها كخطوةٍ احترازيةٍ لحماية الوطن والمواطن.
▪️ تجاوزنا ارتكاز “الخياري” لنتجه بعد مسيرة ساعة ونصف إلى ارتكازٍ آخر بمنطقة “القندمبلية” بعد قطعنا لمسافة 40 كيلومتراً. وفي هذا الارتكاز، كانت المواقف أكثر صرامةً، حيث واجهنا تدقيقاً مكثفاً حول تعاوننا مع المليشيات. نحن نعي جيداً الفارق الشاسع بين ممارسات المليشيا التي تعيث فساداً بلا وازع، وبين إجراءات الجيش التي تستهدف بالأساس ملاحقة المشتبه بهم أو من ثبت تورطهم أو وجود شبهة قوية لانتمائهم للمليشيا، وهو واجبٌ وطني نضعه في سياقه الصحيح رغم مرارة الموقف علينا كعائلات تبحث عن الأمان.
▪️ في لحظةٍ حرجةٍ، تعرض ابني عبد الخالق لموقفٍ مؤلم حين اشتبه أحد أفراد الاستخبارات في وجود صلةٍ له بـ”كيكل”؛ فتدخلتُ بكل هدوءٍ وحزم، موضحاً أن ابني بريءٌ تماماً، وأننا كأسرٍ نازحة نثق في وعي المؤسسة العسكرية في التمييز بين المواطن المسالم الذي تتقاذفه أمواج الحرب وبين من اختار طريق التعاون مع المليشيا.
▪️ حاججناهم بمنطق الحق، موضِحاً لهم أننا لو ملكنا المال والوقت لاخترنا الخروج قبل أن تداهمنا المخاطر، مشيداً في الوقت ذاته بجهودهم في الحفاظ على أمن المنطقة، ومبيناً معاناة آلاف الأسر الشريفة التي لا تزال محبوسة في مناطق المليشيا، تعاني وتموت يومياً جراء قلة الحيلة وويلات الحرب.
▪️ كانت تلك لحظات مواجهةٍ موضوعيةٍ مع الذات ومع الآخر، نكشف فيها عن مأساة جيلٍ ضاع بين نيران المليشيا وبين التحديات الأمنية التي أفرزتها الحرب، حيث تظل ثقتنا في أن ميزان العدالة العسكرية هو الفاصل بين من يُشتبه فيه ومن يثبت تورطه. واصلنا طريقنا عبر التفتيش والارتكازات، حتى تلاشت الأنفاس، وبقيت أرواحنا معلقة بانتظار الخلاص، كأن الزمن اختُزل في تلك المسافة الأخيرة التي تفصلنا عن مأمننا.
▪️ لاح لنا أفق مدينة “القضارف” بعد تجاوزنا لارتكاز “القندمبلية” بنحو ساعة. كانت “القضارف”، في لحظة وصولنا تلك، ليست مجرد مدينة، بل كانت مرسىً للسفن التائهة، ومستقراً بعد عناء، ومركزاً لتقاطع أحزان النازحين وآمالهم، ومع ذلك، ظل القلق يساورنا، فكلما انتهت محطة، بدأت في النفس تساؤلات حول ما تخبئه الأيام القادمة،
وهل ستحمل لنا الأمان الدائم أم أنها مجرد استراحة أخرى في طريق طويل من التيه والبحث عن ملاذات لا تزال بعيدة المنال في هذا الوطن الموجوع الذي يعاني من التشظي.
▪️ انزاحت الغشاوة عن الأفق أخيراً، وانكشفت لنا معالم المدينة التي حملناها في أحلامنا منذ أيام، وكأنها طوق نجاة أُلقي لنا في بحرٍ هائج، فلم يجد الصمت مكاناً ليعبر عن فرحتنا المكتومة؛ لقد لاحت لنا “القضارف”.
نواصل.





