
في كل معركة تخوضها الجيوش تسبقها أو ترافقها معركة أخرى لا تقل خطورة هي معركة الحرب النفسيةوفي معركة الكرامة لم تعد هذه الحرب تدار بالسلاح وحده بل باتت منصات التواصل الاجتماعي وغرف الشائعات إحدى أدواتها الرئيسية في محاولة لزعزعة ثقة المواطنين وبث الخوف والإرباك.
وخلال الأيام الماضية صعدت المليشيا وحلفاؤها من حملتهم الإلكترونية ضد مدينة الأبيض عبر نشر أكاذيب متكررة عن حصار المدينة واقتراب سقوطها بالتزامن مع تكثيف الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت الأحياء السكنية والمرافق الصحية والتعليمية ومحطات الوقود والكهرباء، ويبدو أن الهدف من هذه الهجمات لم يكن عسكريا فحسب بل دفع المواطنين إلى مغادرة مدينتهم وإفراغها من سكانها تمهيدا لتحقيق مكاسب ميدانية.
لكن الواقع على الأرض يرسم صورة مختلفة تماما فقد أثبتت مدينة الأبيض قيادة وشعبا أنها عصية على الانكسار وقدم أهلها نماذج مشرفة في الصمود والتضحية مؤكدين أن إرادة الدفاع عن المدينة أقوى من كل محاولات الترهيب. كما واصلت القوات المسلحة ومعها قوات الهجانة أم ريش والقوة المشتركة والشرطة وجهاز المخابرات والمستنفرين والمجاهدين أداء أدوارهم في حماية المدينة لتظل الأبيض واحدة من أبرز محطات الصمود في هذه الحرب.
ورغم هذا الثبات فإن تطلعات المواطنين اليوم تتجاوز مجرد الدفاع عن المدن إلى الانتقال نحو مرحلة الحسم العسكري واستكمال العمليات التي تؤدي إلى تطهير ولايات كردفان والانطلاق منها لاستعادة كافة دارفور.
لقد دفع الشعب السوداني ثمنا باهظا خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب تكبد خلالها خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة وتراجعت قيمة العملة الوطنية وازدادت معاناة المواطنين في مختلف أنحاء البلاد. ومع ذلك ظل التفاف السودانيين حول قواتهم المسلحة قائما أملا في إنهاء الحرب وعودة الأمن والاستقرار والطمأنينة.
وفي ظل هذه الظروف يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أسلحة المواجهة فالشائعات لا تستهدف نقل المعلومات بقدر ما تستهدف كسر الروح المعنوية ولذلك فإن التعامل معها يجب أن يكون بالحذر والتحقق وعدم الانسياق وراء الأخبار المجهولة إلى جانب تعزيز اليقظة الأمنية وكشف المتعاونين مع المليشيا وكل من يسهم في نشر الفوضى.
ستظل الأبيض كما كانت طوال هذه الحرب عنوان للصمود والإرادة وستبقى الحقيقة أقوى من حملات التضليل لأن المدن لا تسقط بالشائعات وإنما تحميها عزيمة أهلها وتماسك مؤسساتها وهو ما أثبتته الأبيض في أصعب الظروف.
ولنا عودة





