إشتياق الكناني تكتب | المخدرات.. معركة لا تقل خطورة عن الحرب

في الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات الذي أقيم برعاية وزارة الداخلية بمركز أم درمان الثقافي، وبتنظيم الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، برزت العديد من الحقائق والمعلومات التي تستدعي الوقوف عندها كثيراً، ليس فقط باعتبارها قضية أمنية، وإنما باعتبارها معركة تمس حاضر السودان ومستقبل أجياله.
ما لفت انتباهي خلال الفعالية هو حجم التطور الذي شهدته أساليب الاتجار بالمخدرات وترويجها وتصنيعها. فبحسب المختصين بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، لم تعد هذه الجريمة تعتمد على الوسائل التقليدية كما كان في السابق، بل أصبحت تستفيد من أحدث التطورات التقنية واللوجستية، الأمر الذي جعل شبكات التهريب والترويج أكثر قدرة على الوصول إلى ضحاياها، خاصة فئة الشباب التي تمثل الهدف الأول لهذه العصابات المنظمة.
إن خطورة المخدرات لا تكمن فقط في آثارها الصحية والنفسية، وإنما في قدرتها على تدمير الطاقات البشرية وإضعاف المجتمعات من الداخل. فالشباب الذين يفترض أن يكونوا أدوات البناء والإعمار والتنمية، يصبحون ضحايا للإدمان والانحراف، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الحرب التي شهدها السودان خلال الفترة الماضية أوجدت تحديات أمنية كبيرة استغلتها عصابات التهريب والجريمة المنظمة. فقد أدت حالة الانفلات الأمني في بعض المناطق إلى فتح مسارات جديدة أمام شبكات المخدرات، الأمر الذي جعل البلاد تواجه تحدياً مضاعفاً في مكافحة هذه الآفة الخطيرة. ولذلك فإن دور الشرطة، وعلى وجه الخصوص الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة المختصة، إلا أن نجاحها يتطلب توفير المزيد من الدعم والإمكانات الفنية والتقنية والبشرية. فالعامل الشرطي الذي يواجه عصابات منظمة وعابرة للحدود يحتاج إلى التدريب المستمر والتجهيزات الحديثة والمعلومات الدقيقة حتى يتمكن من أداء واجبه بالصورة المطلوبة.
ومن أكثر النقاط التي أثارت القلق خلال الاحتفال ما أشار إليه بعض المختصين من أن عمليات إدخال المخدرات إلى البلاد لم تعد تقتصر على شبكات التهريب التقليدية فقط، بل إن هناك اتهامات بضلوع عناصر من بعض الجهات المسلحة المساندة للقوات المسلحة في تسهيل دخول أنواع مختلفة من المخدرات، من بينها حبوب الكبتاجون والحشيش والمواد المخدرة الأخرى. وإذا ثبتت صحة مثل هذه المعلومات، فإن الأمر يستدعي وقفة جادة وحاسمة، لأن أي تهاون في هذا الملف يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي وللمجتمع بأسره.
إن مكافحة المخدرات ليست مسؤولية الشرطة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فالتوعية تظل خط الدفاع الأول، خاصة في ظل استهداف الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط الإلكترونية الحديثة التي أصبحت إحدى أدوات الترويج والاستقطاب.
كما أن معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الشباب نحو التعاطي أو الاتجار بالمخدرات تمثل جزءاً أساسياً من الحل. فالبطالة والفراغ وضعف الوعي كلها عوامل تساعد على انتشار هذه الظاهرة إذا لم تتم معالجتها بصورة شاملة.
وفي اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، ينبغي أن تتحول الرسائل التي طُرحت داخل القاعات إلى برامج عملية وسياسات واضحة تعزز جهود المكافحة والوقاية والعلاج. فالمعركة ضد المخدرات ليست مناسبة سنوية أو شعاراً يُرفع ليوم واحد، بل هي معركة مستمرة تتطلب تضافر الجميع لحماية المجتمع وصون مستقبل الأجيال القادمة.
فإذا كانت الحروب تهدد الأوطان من الخارج، فإن المخدرات قادرة على تدميرها من الداخل، ولهذا فإن التصدي لها يجب أن يظل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها السودان اليوم.





